مصطفى عباس: بعد نصف قرن.. إذا كان هذا هو التصحيح فأهلاً بالأخطاء

بعد نصف قرن .. إذا كان هذا هو التصحيح.. فأهلاً بالأخطاء
ملكية الصورة: الإنترنت
تفاصيل برس - مصطفى عباس (باريس)

نصف قرن بالتمام والكمال منذ انقلاب حافظ الأسد على رفاق دربه وزجهم في السجون حتى ما أغلبهم فيها. فيما سماه حافظ الأسد " الحركة التصحيحية، والتي كانت تعقد فيها حلقات الدبكة احتفالاً بهذا الانتصار العظيم، وأتذكر عندما كنا صغاراً كانت الاحتفالات تستمر أسابيع، وهي التي كانوا يسمونها احتفالات التشرينين، وكان يؤتي بالمطربين اللبنانيين كي يحيوا هذه الحفلات التي تقام في باحات المدارس، ويكون فيها الرفاق البعثيون – كتيبة التقارير- على الأول في الدبكة.

 

تمهيد
كانت سوريا بعد استقلالها عن فرنسا عام 1946 تسير بخطى عرجاء نحو التقدم، صحيح أنه بعد ثلاثة أعوام بدأت الانقلابات التي كانت تعبيراً عن التدخل الخارجي في الشأن السوري، ولكن هذه الانقلابات لم يكن فيها إراقة دماء، وكان قمع الحريات يواجه بالتنديد والاستنكار، ولم يكن هناك تضييق كبير على الحريات إلا في عهد حسني الزعيم، الذي لم يستمر إلا أربعة أشهر ونصف، ولم يكن هناك أفرع أمنية للتعذيب، حتى جاءت الوحدة مع مصر عام 1958، حيث بدأت قوات الأمن تنهل من كتب التعذيب الشيوعية، وكان الطالب الفلهوي في هذا المجال هو عبد الحميد السراج، وزير الداخلية ورئيس المكتب التنفيذي للإقليم الشمالي، الذي أدخل التعذيب الوحشي الممنهج إلى الدولة السورية، بعد أن نسيه السوريون منذ انطفاء جذوة الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين قبل ثلاثة عقود. فشلت الوحدة، وعاد حكم ليبرالي تتنازعه المحاور العربية، هاشميون في الشرق العراق والجنوب الأردن، وسعودي، بعد الطفرة النفطية، وأخيراً عروبي وحدوي مع عبد الناصر في مصر. 

انقلاب آذار
بعد نحو عامين قاد ضباط ناصريون وبعثيون الانقلاب ضد " الانفصاليين"، سريعاً انقلب البعثيون على شركائهم الناصريين، الضباط الأعلى رتبة، وغدروا بهم وأحالوهم على التقاعد. الضباط البعثيون كانوا قد شكلوا اثناء وجودهم في مصر لجنة عسكرية سرية ذات صبغة أقلوية للسيطرة على الحكم، وعند الانفصال وسعوا هذه اللجنة لتصبح من خمسة عشر عضواً، بقي الأقلية فيها أكثرية، سميت لجنة الضباط الأحرار.

بسرعة.. بدأت النزاعات بين الرفاق البعثيين، واشتعل حَيْكُ الدسائس والمؤامرات بين بعضهم البعض، مع ما رافق ذلك وسبقه ولحقه من عمليات تسريح جماعية للضباط وصف الضباط المحترفين، واستبدالهم بعناصر احتياط اقلويين. تم الانقلاب على أمين الحافظ الذي جيء به كواجهة، فلم يكن الأقلويون يحكمون حينها بشكل مباشر، ولكن الحافظ ارتد على من جاء به فتم الانقلاب عليه وعلى محمد عمران، والقادة التاريخيين للبعث، ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، الذين أصبحوا مطاردين. 

 

عربون الحكم
هذا الانقلاب الذي سمي بحركة شباط 1966، وفيها أصبح صلاح جديد أهم رجل في السلطة، وكان بعثياً يسارياً، بدأ بتطبيق النظريات اليسارية في الاقتصاد والسياسة، ورفع شعارات تحرير فلسطين، ولكنه خلال أقل من عام مني وفريقه بهزيمة نكراء، خسروا فيها مرتفعات الجولان الشديدة التحصين، واتهم في هذه الهزيمة وزير الدفاع حينها حافظ الأسد، الذي أذاع بيان سقوط الجولان قبل يوم من سقوطها الفعلي، ويردد اليوم الكثيرون حينها أن ذاك كان هو العربون الذي قدمه حافظ كي يصبح رئيساً مباشراً بعد ثلاث سنوات، دون الحاجة إلى رئيس سني ضعيف يكون في الواجهة، في عام 1970، اجتمعت القيادة خلال انعقاد المؤتمر العام القومي لحزب البعث، وقررت تسريح وزير الدفاع، حافظ الأسد، ورئيس أركانه، مصطفى طلاس، بتهمة التخلي عن الجولان وعدم مساندة الفلسطينيين أثناء معركتهم مع الجيش الأردني، إلا أنّ حافظ الأسد الذي كان قد أسس لنفسه بالجيش قد انقلب على رئيسه وصانعه، صلاح جديد، فأودعه السجن حتى مات فيه عام 1993.

انفتاح ولكن
بدأ حافظ حكمه بالتصالح مع البرجوازية المدنية، وخصوصاً منها الدمشقية، التي كان التأميم والإصلاح الزراعي منذ عهد الوحدة مع مصر حتى انقلاب حافظ قد أفقدها ممتلكاتها وقوتها، ورأت في حافظ من يمد لها طوق النجاة، كي تبقى حية، وتدير التجارة كشريك مضارب للنظام وضباطه، الذين أصبح المئات منهم ملاكين، رغم أنهم قادمون من خلفيات فقيرة. 
ابتعد حافظ مسافة أمان عن المعسكر الاشتراكي الذي كانت سوريا قريبة منه في عهد صلاح جديد، واقترب فعلياً من الغرب وبالأخص بريطانيا وأمريكا، رغم كل الشعارات التي كانت تشجب أمريكا، ولكن حافظ الأسد قد استقبل في عهده رئيسين أمريكيين، وكال له وزير الخارجية الأمريكية الصهيوني الشهير هنري كسنجر الكثير من المديح.

البترودولار!
كما انفتح حافظ كذلك على الأنظمة العربية خصوصاً الخليجية منها، وعينه على بترودولارها، كي تمول له حروبه "التحريكية" ضد إسرائيل، وكانت سوريا في عهده تعيش على المساعدات الخليجية السخية، وعند اندلاع الحرب الإيرانية العراقية وتأييد حافظ " القومي " للملالي الشيعة ضد العراق العربي البعثي، رغم الإجماع العربي على تأييد العراق، انقطعت المساعدات العربية، ليستعيض عنها حافظ بالبترودولار الإيراني، الذي كان يأتي على شكل شحنات نفطية وقمح، وليس مساعدات نقدية، وعندما توقفت هذه المساعدات في منتصف الثمانينات، كادت الدولة تختنق حتى جاءها الفرج بعد مشاركة سوريا في تحرير الكويت تحت قيادة الولايات الأمريكية المتحدة، حيث عادت المساعدات الخليجية لسوريا، ورافقها اكتشاف نفطي في شمال شرق سوريا لم يذق منه السوري شيئاً.

نظام جملوكي
على المستوى السياسي جفف حافظ الأسد ينابيع السياسة، واعتقل وقتل وشرد كل مخالف له، وبعد أن استقر له الأمر عقب مجزرة حماة، بدأ بتشكيل نظام حكم وراثي، ولكنه أبقي، بل زاد من الشعارات التي تتكلم عن الحرية وحكم الشعب نفسه بنفسه، وأن نظام الحكم في سوريا جمهوري، رغم أنه " جملوكي".

بدلاً من التحديث والتطوير تم ترييف المدن، وخصوصاً دمشق عبر عشرات الأحياء العشوائية التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، وكل هذه الأحياء يسكنها مؤيدو النظام، وهي أحياء تقع في المرتفعات المطلة على دمشق، فضلاً عن الفساد الممنهج، فبمجرد دفع رشوة لضابط الأمن السياسي في البلدية تستطيع ان تبني أينما تريد، وبذلك تم القضاء على البساط الأخضر الذي كان يحيط بدمشق وهي معروفة به منذ القدم، أما ضباط وعناصر الأمن السياسي الفقراء، فخلال فترة قصيرة سيصبحون رجال أعمال، ويمتلكون عشرات العقارات.

سرُّ أبيه
عندما خلف بشار أباه على الحكم، ظن الناس أنهم سيتنفسون الصعداء، بعد الشعارات الكبيرة التي رددها، والوعود الكاذبات التي مرت بها رياح الصيف دوننا، فلم يطل ربيع دمشق. والتحرير الاقتصادي الذي جاء به بشار وطاقمه كان وبالاً على السوريين، إذ ازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءً على سوء، فضلاً عن أن القمع لم يختلف شيئاً بين بشار وأبيه، وكل هذا رافقه الكثير من الشعارات البراقة، وأرقام تنمية كاذبة، جعلت الثورة ومطالبها بالحرية والعدالة والكرامة نتيجة أقل من طبيعية.

ورغم أن الثورة كانت في أكثر من مرة على وشك الإطاحة بهذا النظام، ولكن كان يأتيه الدعم ليبقى على قيد السلطة، ليؤكد ذلك دائماً أنه قائم على مهمته خير قيام، فهو مع محور المقاومة والممانعة الذي تقوده إيران سيستمر في إغراق المنطقة في بحور من الدماء والثأر والنكوص، والفقر والتخلف، ويبدو أنّ هذا هو المخطط المرسوم للمنطقة، لذلك لا يريدون إنهاء هذا المحور لأنّ له أدواراً وظيفيه يقوم بها حق القيام، رغم ترنّحه واقترابه من السقوط مرات عديدة، ولكن في كل مرة يأتيه مددٌ ما من حيث لا نحتسب، ولا أعتقد أنّ هذا يأتي إلا ضمن مبدأ الفوضى الخلاقة الذي تبنّته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كونداليزا رايس عام 2006.
قمع ومجاعة!
وبعد تسع سنوات على الثورة ضد النظام، الذي أصبح ألعوبة بيد الروس والإيرانيين، وبلد محتل من خمسة جيوش، فإن الأسرة الحاكمة في سوريا قد آذن نجمها على الأفول، ولكن ما اقترفته في سوريا سيبقى طويلاً، فالوسخ يذهب وتبقى رائحته.
بعد نحو نصف قرن من حكم هذه العائلة بعد " الحركة التصحيحية" بات نحو نصف الشعب السوري بين قتيل أو معتقل أو مشرد، ملايين النازحين في الداخل السوري، بعضهم في خيام لا تقي قيظ الصيف ولا قرَّ الشتاء، وملايين اللاجئين تنوء بهم دول الجوار. والذين في الداخل يعانون الامرين ليس فقط من القمع والإجرام، بل حتى فقدان مواد العيش الأساسية كالخبز والوقود، في ظل غلاء فاحش، ومجاعة بدأت بنشب أنيابها. بعد نصف قرن إذا كان هذا هو التصحيح فأهلاً وسهلاً بالأخطاء.