الفساد كسبب رئيسي للتردد الروسي في تعميق العلاقات الاقتصادية مع السودان

الفساد كسبب رئيسي للتردد الروسي في تعميق العلاقات الاقتصادية مع السودان
ملكية الصورة: الإنترنت
تفاصيل (الخرطوم)

يعيش السودان أياماً صعبة في هذه الفترة وخصوصا من الناحية الاقتصادية، فتحاول الحكومة السودانية الانفتاح على الاقتصادي العالمي وجذب الاستثمارات وعقد الاتفاقيات الاقتصادية التي حرم منها السودان لثلاثة عقود بسبب حكم الرئيس السابق عمر حسن البشير وفرض الغرب للعقوبات الاقتصادية والمالية على نظامه.

لكن يبدو أن الدول الكبرى الصاعدة ليست على عجلة من أمرها فيما يخص الانفتاح على السودان والاستثمار فيه، وحتى تقديم المساعدات المالية والقروض للسودان بات أمراً تدرسه الدول بدقة ولفترات طويلة، والسبب يكمن بحسب خبراء، الى المناخ السياسي المضطرب وكذلك الى حالة الفساد التي لازالت تنخر في بنية الدولة في السودان.

تعتبر روسيا من بين الدول التي تتطلع الى شراكة اقتصادية واستثمارية حقيقية مع السودان، لكن يبدو أن روسيا لا تثق لا بالوضع الاقتصادي الراهن في السودان ولا بالسلطة السودانية من حيث ضمان إيصال أي نوع من المساعدات إلى مستحقيها أو صرف أموال القروض بشكل عملي مفيد.

فمنذ عدة أيام قام المركز التحليلي التابع للحكومة الروسية، وهو مركز معتمد يضم عدداً كبيراً من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين ويعمل لصالح الحكومة الروسية، قام المركز بدراسة حول الوضع الاقتصادي في السودان لكي تبني الحكومة الروسية على مقتضاه سياستها فيما يخص التعاون مع السودان أو تقديم المساعدات المالية أو الإنسانية.

أشارت الدراسة التي أعدها الخبراء الروس إلى سوء الوضع في السودان، وخصوصاً فيما يتعلق بحجم الديون السودانية، فبسبب الديون الخارجية الكبيرة البالغة 56 مليار دولار والوضع الاقتصادي الصعب، فإن جمهورية السودان، بحسب الخبراء الروس، غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بسداد ديونها للدول الدائنة، وعليه لا ينصح هؤلاء الحكومة الروسية بتقديم أي قورض مالية للسودان.

نبّه المركز أنه وبغض النظر عن إدراج السودان على قائمة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، مما يعني نظرياً إمكانية العمل على شطب جزء من الديون السودانية، إلا أن حجم هذه الديون يبقى كبيراً جداً، كما أن شطب جزء من الديون لا يعني أن السودان سوف يستطيع فجأة البدء بسداد باقي الديون أو تلك سداد تلك القروض التي سوف يحصل عليها لاحقاً.

يفترض أنه ستتم إعادة هيكلة باقي الديون البالغة 9.4 مليار دولار وإعفاء السودان من مدفوعات الفائدة بحلول عام 2024 إذ يبلغ إجمالي ديون السودان لنادي باريس من الدائنين 23.7 مليار دولار، بينها 8 مليارات دولار لفرنسا، حوالي 10 مليارات للكويت و 4 للسعودية وملياري دولار للصين، والباقي موزعة لصالح عدد من الدول الأخرى.

والجدير بالذكر أن دولاً مثل السعودية والإمارات والكويت كانت قد اتخذت من الأساس موقفاً متشدداً من قضية شطب ديون السودان التي رفضت حتى الآن النظر حتى في إمكانية شطب ديونها المستحقة على السودان، ناهيكم عن تقديم قروض جديدة، وعليه من الواضح أنه حتى الدول العربية الشقيقة تنظر بعين الريبة الى السلطة السودانية عندما يجري الحديث عن تقديم قروض أو مساعدات، فما بالكم بدولة مثل روسيا.

يرى الخبراء الاقتصاديون الروس أن أي قروض روسية قد يحصل عليها السودان سوف تصب في اتجاهين لا ثالث لهما، فإما ستذهب لجيوب المسؤولين الفاسدين في السودان وسيتم نهبها، وإما سيتم استخدامها من أجل سدّ جزء من الديون السودانية لصالح الدول الغربية، وهذا قبل الحديث أصلا عن إمكانية استرجاع وسداد هذه القروض.

إن التردد الروسي والشكوك المثارة حول الوضع الاقتصادي السوداني تتجاوز مسألة تقديم قروض مالية، فحتى المساعدات المادية والإنسانية التي قدمتها روسيا وبعض الدول الأخرى للسودان سابقاً كان يتم بيعها فيما بعد من قبل أطراف سودانية مرتبطة بالسلطة، أي يتم تسلمها مجاناً من الدول المانحة، وبدلاً من إيصالها مجاناً لمستحقيها يتم بيعها كما يحصل في عدد كبير من الدول النامية التي تتلقى مساعدات انسانية.

روسيا سبق وعرضت المساعدات الإنسانية على السودان، لكن الأخير رفضها عدة مرات، بحجة أن الشروط الروسية حول آلية إيصال هذه المساعدات لا تُرضي الجانب السوداني، أي بمعنى آخر لا يريد السودان من روسيا أو أي دولة أخرى أن تضمن إيصال هذه المساعدات إلى وجهتها النهائية، بل تريد أن يتم تسليم المساعدات إلى الحكومة السودانية والتي بعدها تقرر كيف ومتى توصل المساعدات لمستحقيها، وهو الأمر الذي تراه الجهات الدولية تغطية لحالة الفساد وبيع تلك المساعدات بطرق ملتوية.

وأحيانا يتذرع المسؤولون السودانيون بعدم الحاجة لتلك المساعدات جاهزةً، وأنه من الأفضل تقديم المساعدات على شكل أموال حصراً، لكي يقرر السودان لاحقاً على ماذا تصرف هذه الأموال، لكن باتت الأطراف الدولية والدول المانحة تدرك جيداً أن هذا أيضاً يشكل باباً للفساد وسرقة الأموال واختلاسها من قبل شبكات الفساد الحكومية وغير الحكومية في السودان.

يتفق المحللون الاقتصاديون حول العالم أن الدول لكي تبني اقتصادات قوية عليها الاعتماد على الإنتاج المحلي والصناعات في المقام الأول، مؤكدين على أن الاعتماد كلياً على الديون الخارجية ومن ثم على أخذ المزيد من القروض لسداد الديون السابقة لا يبني أي دولة اقتصادياً، بل على العكس يغرق هذه الدولة في حفرة من الديون يزداد عمقها مع كل قرض جديد، وينتهي الأمر بهذه الدولة أن تفقد أي جاذبية استثمارية ومن ثم يتحول ضعفها الاقتصادي وعجزها عن سداد الديون إلى تبعية سياسية وخضوع لشروط وإملاءات الدول الدائنة.

لكن السودان لم يعد قادراً حتى على الحصول على المزيد من القروض بسبب الفساد على الصعيد الداخلي ونهب المسؤولين الفاسدين لجزء كبير من الأموال المقدمة، وفي المقابل لا يقدم السودان الكثير مقابل الحصول على هذه القروض، ولذلك بدأت الدول بالامتناع عن تقديم أي مساعدات مالية، إلى جانب رفض شطب الديون السابقة، ومن الطبيعي أن روسيا كدولة كبرى لن تتسرع في القيام بعلاقات استثمارية مع السودان طالما الجو الاستثماري والوضع الاقتصادي في السودان على ما هو عليه.

أما فيما يتعلق بإيصال المساعدات الإنسانية، فيرى محللون أنه على السلطات السودانية أن تضمن وصول المساعدات إلى هدفها، وتمنع عمليات بيع هذه المساعدات في السوق السوداء، أو حتى سرقتها، وإلا فعليها أن تقبل على الأقل بشروط الدول التي تقدم هذه المساعدات، لأنه إذا استمر الحال كما هو فسيخسر السودان ليس فقط فرض الحصول على قروض أو شطب الديون ولكن سيخسر مصادر كثيرة للمساعدات الإنسانية.

الفساد