كنانة خلف الكردي – تفاصيل برس
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُخاض المعارك في الميدان وحده، بل في الفضاء الرقمي أيضاً.
ما شهدته محافظة الحسكة عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار برعاية الرئيس أحمد الشرع، مثالٌ واضح على انتقال الصراع من الجغرافيا إلى الوعي، ومن الرصاص إلى المعلومة.
خلال ساعات قليلة من إعلان الاتفاق، انفجر سيل من الأخبار المتداولة عبر منصات التواصل، يتحدث عن “مجازر واسعة بحق المدنيين العرب”، وأرقام صادمة للضحايا، ومقاطع مصوّرة قُدّمت على أنها توثيق مباشر للحدث. غير أن التدقيق اللاحق كشف أن معظم تلك المواد إما قديمة، أو مجتزأة، أو مفبركة، وأن الأرقام المتداولة لا تستند إلى أي مصدر ميداني موثوق.
هنا لا نتحدث عن خطأ صحفي عابر، بل عن عملية تضليل معلوماتي منظمة.
حملة تُدار بعقل استخباراتي
الرصد التقني أظهر نمطاً متكرراً:
حسابات جديدة تظهر فجأة، تنشر الرسائل ذاتها، تستخدم الوسوم ذاتها، وتستهدف الشريحة ذاتها: العشائر العربية.
الخطاب واحد: “ثأر”، “نفير عام”، “الدم مقابل الدم”، مع تحميل الدولة مسؤولية ما يجري، وتصويرها كطرف متواطئ أو عاجز.
هذا النمط لا يشبه ردّ فعل شعبي عفوي، بل يشبه غرف عمليات رقمية تُدار بعقل استخباراتي، هدفها دفع المجتمع إلى انفجار ذاتي، وإفشال أي مسار تهدئة أو اتفاق سياسي.
الهدف: إعادة إنتاج سيناريو السويداء
من يتابع مسار الأحداث يدرك أن النموذج المراد استنساخه هو نموذج السويداء:
فوضى داخلية، ردود فعل عاطفية، اشتباك أهلي، ثم تسويق المشهد خارجياً كـ “انتهاكات ضد مكوّن مظلوم”، تمهيداً لطلب الحماية أو التدخل الدولي.
بهذا المعنى، فإن الدم المحدود الذي سُفك في الحسكة – رغم فداحته – تم استثماره رقمياً لتضخيمه إلى “مجزرة”، لأن الاستثمار في المظلومية اليوم يوازي الاستثمار في السلاح.
الخطورة الحقيقية: كسر الثقة بين الدولة والمجتمع
النتيجة الأخطر ليست عدد الضحايا، بل محاولة كسر الثقة بين العشائر والدولة.
فعندما تُقنع حملة رقمية مجتمعاً كاملاً أن الدولة تخلّت عنه، يصبح الطريق مفتوحاً للفوضى، ولتدخل القوى المتربصة، ولعودة مشاريع التقسيم بواجهة جديدة.
الدولة أمام اختبار الاستجابة
هذه المعركة لا تُكسب بالقوة العسكرية وحدها.
بل بكشف الحقائق سريعاً، وضبط الخطاب الإعلامي، ومحاسبة غرف التحريض، والتواصل المباشر مع المجتمعات المحلية.
في زمن الحروب الهجينة، من لا يملك روايته، تُكتب عنه الرواية.
ما جرى في الحسكة ليس مجرد حدث أمني، بل درس في طبيعة الصراع الجديد.
الرصاصة الأولى أطلقتها ميليشيا،
أما الرصاصة الأخطر فأطلقتها الحسابات الوهمية.
والوعي اليوم هو خط الدفاع الأول عن الدولة والمجتمع معاً

























































































