كنانة خلف الكردي – تفاصيل برس
في زمنٍ كانت فيه البطولة تُقاس بالفعل على الأرض، أصبح اليوم يكفي حسابٌ وهمي، وصورة رمزية، ومنشورٌ منمّق ليُصنَع “بطل”.
هؤلاء ليسوا ثوّاراً ولا أصحاب مشروع وطني، بل نماذج رقمية تتقمّص دور “حماة الأرض والعِرض” وهي جالسة خلف الشاشات، تحارب أعداءً من خيالها، وتخوض معارك ضد أشباح، وتحوّل القضايا المعقّدة إلى شعارات مبسّطة تصلح للتداول لا للحل.
في سياق الثورة السورية، ظهرت هذه الظاهرة بوضوح:
أشخاص أو مجموعات تقدّم نفسها كحرّاس للثورة، أو وكلاء حصريين عن “الكرامة”، لكنها في الواقع لا تملك سوى منشورات حادة، وحسابات متعدّدة، وخطاب تعبوي يستثمر في الغضب لا في الوعي.
البطولة الوهمية: حين يصبح المنشور بديلاً عن الفعل
هؤلاء “فرسان السوشيال ميديا” لا يشتبكون مع جذور المشكلة، بل مع صورها السطحية.
يصنعون أعداءً افتراضيين، ويحوّلون أي اختلاف في الرأي إلى خيانة، وأي نقد إلى مؤامرة.
يهاجمون شخصيات حقيقية تعمل على الأرض، ويصنّفون الناس بين “وطني” و”عميل” بناءً على تغريدة أو تعليق.
هم لا يدافعون عن القيم بقدر ما يدافعون عن صورتهم كبطل أخلاقي.
والأخطر أنهم يحركون الرأي العام عبر الضخّ العاطفي لا عبر التحليل:
خوف، غضب، كراهية، ثم اتهام… دورة كاملة تُنتج جمهوراً مشحوناً لا واعياً.
بين نقد الحكومة وتحويل النقد إلى هدم
نقد أخطاء الحكومة في أي دولة حقّ مشروع، بل ضرورة أخلاقية ووطنية، خصوصاً في بلد كـسوريا عانى من الفساد والبيروقراطية وسوء الإدارة.
لكن الفرق كبير بين:
•نقدٍ يهدف للإصلاح،
•وخطابٍ يهدف إلى إسقاط كل شيء دفعة واحدة دون بديل أو رؤية.
فرسان الوهم لا يريدون إصلاحاً، بل بطولة درامية:
يريدون مشهداً، خصماً، جمهوراً يصفّق، ومعركة يومية تبقيهم في مركز الاهتمام.
لهذا يرفضون أي خطاب عقلاني أو حلول تدريجية، لأنها لا تصنع “ملحمة”، بل تصنع سياسة.
الخطر الحقيقي: تضليل الوعي العام
المشكلة ليست في شخص يكتب منشوراً حماسياً، بل في شبكة حسابات وهمية توهم الناس بأنها “الرأي العام”.
تصنع ترندات مزيفة، وتدفع الشباب إلى مواقف متطرّفة، وتشوّه أي محاولة نقدية عقلانية بوصفها خيانة أو تواطؤاً.
وهكذا يصبح المشهد مشوّهاً:
•الناشط الحقيقي يُتّهم،
•وصاحب الحساب الوهمي يُقدَّم كضمير الأمة.
نقاط الضوء: النقد من باب الإصلاح لا الإسقاط
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا كشفت كثيراً من الأخطاء:
•فساد إداري،
•تجاوزات أمنية،
•تقصير خدمي،
•فشل في التواصل مع الناس.
هذه قضايا حقيقية، ويجب الحديث عنها بلا خوف.
لكن الحديث عنها يجب أن يكون:
•بلغة مسؤولة لا تحريضية،
•وبمنطق الإصلاح لا الانتقام،
•وبوعي أن الدولة ليست شخصاً، والوطن ليس نظاماً فقط.
الإصلاح لا يحتاج أبطالاً وهميين، بل مواطنين صادقين:
يسألون: كيف نُصلح؟
لا: من نُسقط أولاً؟
خاتمة
“فرسان الوهم” ليسوا خطراً لأنهم أقوياء، بل لأنهم يبدون كذلك.
بطولاتهم رقمية، ومعاركهم وهمية، لكن أثرهم على الوعي العام حقيقي.
والثورة، أي ثورة، لا تنتصر بالصراخ، بل بالعقل، ولا تُبنى بالترند، بل بالمشروع.
الحذر منهم واجب،
ليس دفاعاً عن حكومة،
بل دفاعاً عن الحقيقة،
وعن حق الناس في نقدٍ يُصلح لا يدمّر،
وفي وعيٍ يُنقذ لا يُضلّل.

































































































