كنانة خلف الكردي – تفاصيل برس
تفكيك آخر أوراق الابتزاز في شمال شرق البلاد و نقل معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق: قراءة في الدلالات السياسية والاستراتيجية
لم تكن ظاهرة تنظيم داعش في جوهرها نتاجاً سورياً خالصاً، بقدر ما كانت امتداداً لانهيارات بنيوية وأمنية تشكّلت في العراق بعد عام 2003، ثم جرى تصديرها لاحقاً إلى الساحة السورية في سياق الفوضى الإقليمية والحرب المفتوحة. فالغالبية العظمى من العناصر القيادية والمقاتلة التي شكّلت نواة التنظيم كانت من حملة الجنسية العراقية، وبعضهم أُفرج عنه سابقاً من سجون عراقية أو أُعيد تدويره ضمن بيئات صراع جديدة.
اليوم، تعود هذه الحقيقة إلى الواجهة مع إعلان الولايات المتحدة، عبر قيادتها المركزية (سنتكوم)، بدء عملية واسعة لنقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرق سوريا، وتحديداً من مراكز الاحتجاز الواقعة في الحسكة ومحيطها، إلى مرافق احتجاز خاضعة للسيطرة العراقية. ووفق المعطيات المعلنة، فقد تم بالفعل نقل نحو 150 معتقلاً كمرحلة أولى، على أن يصل العدد الإجمالي إلى ما يقارب 7000 معتقل خلال فترة زمنية قصيرة، قد تتزامن مع نهاية هدنة الأربعة أيام المعلنة.
هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات السياسية الجارية في المنطقة، ولا عن التغير التدريجي في وظيفة بعض الأطراف المحلية التي لعبت أدواراً وظيفية خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها ميليشيا “قسد” التي سيطرت على ملف سجون داعش في شمال شرق سوريا بدعم أمريكي مباشر.
سقوط ورقة الابتزاز الأخيرة
لطالما شكّلت سجون داعش ورقة ضغط سياسية وأمنية بيد “قسد”، استخدمتها في مخاطبة الولايات المتحدة والتحالف الدولي من جهة، وفي ابتزاز الدولة السورية والإقليم من جهة أخرى. وقد بلغ هذا الابتزاز ذروته عندما لوّحت الميليشيا بإمكانية فتح السجون أو العجز عن ضبطها، في محاولة لإعادة تثبيت دورها كـ“شريك لا غنى عنه” في الحرب على الإرهاب.
غير أن قرار واشنطن نقل المعتقلين إلى العراق يحمل دلالة واضحة: انتهاء الحاجة إلى هذه الورقة، وسحب آخر عناصر القوة التفاوضية من يد “قسد”. فالولايات المتحدة، التي طالما برّرت وجودها العسكري شرق الفرات بذريعة مكافحة داعش، باتت تدرك أن استمرار ترك آلاف المعتقلين في بيئة هشّة أمنياً وسياسياً يشكّل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة، بل ولأمنها القومي.
تنسيق إقليمي ورسائل متعددة
اللافت في هذه العملية هو مستوى التنسيق المعلن بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية، وبموافقة وترحيب رسمي من الدولة السورية، كما أكدت مصادر في وزارة الخارجية السورية التي اعتبرت الخطوة “هامة لتعزيز الأمن والاستقرار”، وأبدت استعداد دمشق لتقديم الدعم اللوجستي والأمني اللازم لإنجاحها.
هذا التنسيق يعكس، من جهة، اعترافاً ضمنياً بأن ملف داعش لا يمكن إدارته عبر كيانات غير دولية أو ميليشيوية، ومن جهة أخرى، يفتح الباب أمام إعادة تعريف الأدوار في شمال شرق سوريا، حيث لم تعد الذريعة الأمنية كافية لتبرير بقاء ترتيبات الأمر الواقع.
العراق أمام اختبار جديد
في المقابل، يضع هذا النقل العراق أمام تحدٍ أمني وقضائي كبير، يتمثل في كيفية إدارة هذا العدد الضخم من معتقلي التنظيم، سواء على مستوى الاحتجاز الآمن أو المحاكمات أو منع إعادة تشكّل الشبكات المتطرفة داخل السجون. غير أن العراق، بوصفه الساحة الأصلية لنشوء التنظيم، يبقى الطرف الأقدر – نظرياً – على التعامل مع هذا الملف ضمن أطر سيادية وقانونية.
إن عملية نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق ليست إجراءً تقنياً أو أمنياً فحسب، بل تمثل تحولاً سياسياً عميقاً في مقاربة ملف الإرهاب، وتؤشر إلى نهاية مرحلة استُخدمت فيها الجماعات المتطرفة كأدوات ابتزاز وتبرير للتدخلات الخارجية. كما تكشف، في الوقت ذاته، تراجع الرهان الأمريكي على الفواعل غير الدولتية، والعودة – ولو جزئياً – إلى منطق التنسيق مع الدول المركزية في المنطقة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تشكّل هذه الخطوة بداية لتفكيك أوسع لترتيبات ما بعد داعش في سوريا، أم أنها مجرّد إعادة تموضع مؤقتة بانتظار جولات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.


























































































