دمشق – تفاصيل برس
في مشهد دبلوماسي نادر خلال شهر رمضان الفائت، لم يكتفِ السفير الموريتاني في دمشق، الطالب المختار الشيخ محمد المجتبى، بالحضور البروتوكولي في مأدبة إفطار أقامتها الخارجية السورية، بل اختار أن يدخل القاعة من باب اللغة. لم يتحدث بصفته ممثلاً رسمياً لدولة فحسب، بل كما أوضح بنفسه قبل الإلقاء بصفته “شاعراً عربياً”. وهنا بالضبط، انتقل الحدث من كونه فقرة عابرة في مناسبة رسمية إلى واقعة خطابية وسياسية وثقافية في آن واحد.
اللافت في هذه اللحظة ليس فقط أن سفيراً ألقى قصيدة؛ فالتاريخ العربي يعرف هذا التماس بين السياسة والأدب. اللافت حقاً أن القصيدة جاءت محكمة اللفظ، عالية النبرة، واضحة الخصومة مع إرث الأسد، وفي الوقت نفسه مفعمة بتمجيد دمشق بوصفها مدينةً أوسع من الأنظمة، وأبقى من العابرين على كراسي الحكم. بذلك، بدا السفير الموريتاني كأنه يقدّم صيغة عربية كلاسيكية لفصل الوطن عن السلطة: يمكن أن تُحب دمشق إلى أقصى البلاغة، وأن تُدين من خرّبها إلى أقصى الوضوح.
فصاحة ليست مصادفة… بل ابنُ بيئة
من يعرف موريتانيا يعرف أن ظهور سفيرٍ بهذه السليقة ليس حدثاً مفاجئاً تماماً. فهذا البلد يُنظر إليه عربياً بوصفه أحد آخر الحصون التي ما تزال تُعامل العربية لا كلغة إدارة فقط، بل كلغة هوية وذاكرة ووجدان. في البيئة الموريتانية التقليدية، لا يُعدّ الشعر ترفاً ثقافياً، بل جزءاً من الهيبة الاجتماعية، وأداةً للبرهنة على التكوين المعرفي والقدرة على الحضور. ومن هنا يمكن فهم لماذا خرجت كلمات السفير لا كخطاب رسمي منمّق، بل كـقولٍ موزونٍ يملك ثقة أهله باللغة.
حين قال:
“ما في البسيطة مغربٌ أو مشرقُ
كالشامِ.. إن الشامَ ليست تُلحَقُ”
فهو لم يبدأ من مجاملة دبلوماسية سريعة، بل من افتتاحية تقريرية حاسمة. هذه صياغة لا تتوسل الانطباع، بل تصنع حكمًا شعريًا مكتمل البنية: نفيٌ شامل، ثم استثناءٌ رافع، ثم تثبيتٌ للمكانة. هذا ليس كلام شخص يحفظ أبياتاً، بل شخص يتصرف داخل اللغة بثقة صاحب المهنة. وقد نقلت تقارير موريتانية وسورية أن القصيدة تضمنت هجوماً صريحاً على نظام آل الأسد وإشادة بصمود السوريين والثوار، ما يؤكد أن القصيدة لم تكن استعراضاً أدبياً محضاً، بل موقفاً مؤطّراً بلغة عالية.
بلاغة السفير: لماذا بدت القصيدة مؤثرة؟
السبب الأول هو أنها كُتبت على عمود الفخامة العربية: تراكيب رصينة، قوافٍ صلبة، ومفردات ذات رنين حضاري مثل العراقة، التاريخ، البيان، المنطق. هذه مفردات لا تصف مدينة فقط، بل تبني لها هالةً رمزية. والسبب الثاني أن القصيدة لم تسقط في فخ الخطاب السياسي المباشر. كان يمكن لها أن تتحول إلى بيان هجائي جاف، لكنها احتفظت بمسافة شعرية أنقذتها من التقريرية.
مما قال أيضاً:
“ودمشقُ عاصمةُ العراقةِ إنّها
من كلِّ عاصمةٍ أجلُّ وأعرقُ”
هنا لا يكتفي الشاعر السفير بالمديح، بل يستخدم التفضيل مرتين: أجلّ وأعرق. وهذه تقنية بلاغية قديمة لكنها فعّالة، لأنها لا تصف دمشق بأنها عظيمة فقط، بل تضعها في سلّم تفوقٍ رمزي على غيرها. دمشق في هذا البناء ليست مدينة بين مدن، بل معياراً تُقاس به المدن.
أما السبب الثالث في تأثير القصيدة، فهو التوتر الأخلاقي داخلها. فالشاعر لا يمدح دمشق بوصفها صورة سياحية أو أثراً تاريخياً جامداً، بل يمدحها وهي خارجة من الجرح. لذلك بدا المدح هنا مشوباً بما يشبه الوفاء للناجين، لا مجرد الانبهار بالماضي.
من هو السفير هنا: دبلوماسي أم شاهد؟
في السياسة التقليدية، يُفترض في السفير أن يختار ألفاظه بعناية، وأن يظل داخل حدود اللياقة والتمثيل الرسمي. لكن ما فعله السفير الموريتاني في دمشق يوحي بأنه أراد أن يوسّع وظيفة الدبلوماسي من ناقل موقف الدولة إلى شاهدٍ على لحظة تاريخية. وحين يسبق القصيدة بتوضيح أنه يتكلم “شاعراً عربياً لا سفيراً”، فهو لا يتهرب من مسؤوليته، بل يقوم بحركة ذكية: ينقل الكلام من خانة البروتوكول إلى خانة الضمير الثقافي. هذه حركة بلاغية وسياسية في آن معاً، لأنها تمنحه حرية النبرة دون أن يفقد ثقل المنصب.
وهذا تحديداً ما جعل القصيدة تتجاوز محيط المناسبة. فلو أنها قيلت بلسان شاعر عادي لمرّت بوصفها نصاً جميلاً أو موقفاً شجاعاً. لكنها قيلت بلسان سفير معتمد في دمشق، أي من داخل المشهد الدبلوماسي نفسه. وهنا تصبح اللغة فعلاً سياسياً، لا مجرد زينة ثقافية.
موقفه من الأسد: ليس انفعال لحظة
المتوفر علناً عن هذه الواقعة يثبت أن السفير لم يكتفِ بمدح الشام، بل ضمّن نصه إدانة مباشرة لإرث الأسد. في الأبيات التي نشرتها وسائل موريتانية، تظهر عبارات شديدة الوضوح في توصيف مرحلة الخراب والفساد، مع انحياز أخلاقي ظاهر إلى السوريين الذين قاوموا القمع. هذا مهم، لأن كثيراً من الخطابات الرسمية العربية تميل، حين تتحدث عن سوريا، إلى الحياد البارد أو اللغة الرمادية. أما هنا، فثمة تسمية أدبية للجرح لا تهرب من المسؤولية.
هل يعني ذلك أنه كان معارضاً معلناً للأسد منذ سنوات طويلة في الفضاء العام؟ المصادر المفتوحة التي اطلعتُ عليها لا تكفي للجزم القاطع بذلك. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن القصيدة لا تبدو كلاماً مناسباتياً فارغاً. فيها تماسك وجداني ومعرفي، وفيها لغة شخص لا يكتشف القضية في يوم الإفطار. إنها أقرب إلى قناعة سابقة وجدت لحظتها المناسبة للتعبير العلني.
وهنا تظهر قوة الرجل لا فقط في أنه “قال”، بل في كيفية القول. كثيرون يعارضون، لكن قلّة من الناس يستطيعون أن يحوّلوا الموقف إلى نصٍّ له وزنٌ أدبي وذاكرة تداولية. والسفير الموريتاني فعل ذلك: أعاد السياسة إلى لسانٍ عربيٍّ قديم النَّفَس، جديد الأثر.
دمشق في القصيدة: المدينة التي نجت من مختطفيها
أحد أجمل ما في النص أنه لا يسقط في التبسيط. فهو لا يتعامل مع دمشق بوصفها مجرد ساحة صراع سياسي، بل بوصفها كائناً حضارياً مستقلاً عن حكامه. هذه نقطة بالغة الذكاء. لأن المدينة في القصيدة ليست رهينة من حكمها، بل أكبر ممن حكمها. هي “عاصمة العراقة”، و”التاريخ إذا استُنطقته خشع البيان مهابةً والمنطق” كما ورد في المقاطع المنشورة أي أن اللغة نفسها تتأدب أمامها. هذه مبالغة شعرية، نعم، لكنها مبالغة تخدم المعنى المركزي: دمشق تُستعاد بوصفها أصلًا لا ملحقًا.
ولهذا بدا هجاء الأسد داخل القصيدة وظيفياً لا استعراضياً. فالخصومة هنا ليست خصومة مع شخص فقط، بل مع ما فعله ذلك الشخص بمدينةٍ ذات مقام تاريخي. وهذا يمنح النص بعداً أخلاقياً يتجاوز الاصطفاف السياسي الضيق.
لماذا لامس المقطع الناس بهذه السرعة؟
لأن الجمهور العربي ما زال رغم كل شيء يحنّ إلى الكلمة التي تملك وزنًا. نحن في زمن امتلأ بخطابات مكسورة، وعبارات بيروقراطية بلا حرارة، وتصريحات لا تُحفظ بعد دقائق من سماعها. فجأة يظهر سفير عربي، بعمامته الثقافية لا بربطة عنقه فقط، ويتحدث بلغة يُمكن اقتباسها وتداولها وتذكّرها. هذه نُدرة بحد ذاتها.
ثم إن المشهد يحمل مفارقة آسرة: رجل دولة يتكلم بلسان الشعر، لا بلسان المراسم. وهذه المفارقة هي التي صنعت جاذبية الفيديو وانتشاره. الناس لا تتفاعل فقط مع الموقف السياسي، بل مع جمال أدائه أيضًا: الوقفة، الإلقاء، الثقة، والإيقاع الذي يجعل البيت يبدو كأنه خرج من صدر رجل يعرف أن اللغة سلطة أيضًا.
ما فعله السفير الموريتاني في دمشق لم يكن مجرد “قصيدة في إفطار”. كان استعادة لدور الكلمة العربية حين تخرج من فم صاحبها واثقةً من معناها. لقد قدّم نموذجاً نادراً لسفير لا يكتفي بتمثيل بلاده، بل يمثل أيضاً تراثها اللغوي؛ ولا يكتفي بمديح مدينة، بل يضعها في موضعها الذي يليق بها: مدينةٌ تُمدَح لأنها نجت، ولأنها تستحق أن تُروى بلغتها الكبرى.
وبين فصاحة الأداء ووضوح الانحياز، بدا الطالب المختار الشيخ محمد المجتبى في تلك اللحظة أكثر من دبلوماسي: بدا شاهداً عربياً يكتب موقفه على وزن الشعر.


































































































