حلا طه (اللاذقية) – تفاصيل برس
في حوار خاص مع تفاصيل برس، تستضيف مراسلتنا حلا طه، الكاتب السوري، زياد الصوفي، أحد أبرز وجوه الثورة السورية في الساحل السوري، يصف نفسه على منصاته الشخصية بعبارة “ناشط في الثورة السورية” وهو من واكب أحداثها من البداية.
ويروي لنا خلال اللقاء، كيف كانت الأجواء في اللاذقية إلى حين اندلاع الثورة وموقف الشارع في الساحل من الثورة في البدايات إلى حين تحرير البلاد، وكيف تأثر بذلك وانتقل من حالة يترقب فيها النصر السريع إلى حالة التأمل والوعي والتنظيم.
1- كيف تصف الجو العام في مدينة اللاذقية قبل عام 2011؟ وهل كنت تشعر آنذاك بأن ثمة احتقانًا تحت السطح؟
قبل عام 2011، كانت اللاذقية تبدو، للعين العابرة، مدينة هادئة تستلقي على كتف البحر وتغفو على صوت الأمواج. الناس يملؤون المقاهي القديمة، طلاب الجامعة يسرحون في الشوارع الضيقة بين المحاضرات، وصوت الباعة يتقاطع مع ضحكات الأطفال في الأزقة. كانت الحياة تسير بإيقاع رتيب، لكن فيه نوع من الدفء… ونوع من الخوف أيضًا.
على السطح، كل شيء كان طبيعيًا. الأمن مستتب، والمدينة آمنة – أو هكذا يُقال. لكن من عاش اللاذقية عن قرب، من خالط أهلها وسمع همساتهم في جلسات السهر، كان يشعر أن شيئًا ما ليس في مكانه. كأن الهواء نفسه كان مشحونًا بشيء لا يُقال. هناك توترات لا تُعلَن، وعيون تتفادى بعضها البعض حين تُثار موضوعات بعينها.
لم تكن المدينة غريبة عن الفقر أو البطالة، لكن الإحساس بالظلم كان أعمق من ذلك. كان هناك شعور عام بأن العدالة انتقائية، وأن من لا يملك واسطة أو انتماءً “صحيحًا” سيظل عالقًا في الهامش مهما اجتهد. بين الناس، كانت النكات السياسية تُقال بنصف صوت، والهموم تُغلف بالسخرية. لم يكن أحد يتحدث عن ثورة، لكن الغضب كان كامنًا، مثل جمرٍ تحت الرماد.
هل كنا نشعر بالاحتقان؟
نعم. لكنه كان احتقانًا خجولًا، صامتًا، يعيش في التفاصيل الصغيرة: في نظرة امتعاض، أو في تنهيدة رجل خسر فرصة عمل لأنه “ليس من الجماعة الصح”. كانت اللاذقية مدينة تختنق بهدوء.
ما حدث بعد 2011 لم يأتِ من فراغ، بل من تراكم طويل لصمت لم يكن بريئًا.
2- من موقعك كأحد أبناء الساحل، كيف استقبل مجتمعك فكرة الثورة عندما بدأت في درعا؟
عندما اندلعت شرارة الثورة في درعا، بدا الأمر في الساحل – وتحديدًا في اللاذقية – كما لو أنه يحدث في بلد آخر. لم تكن المسافة الجغرافية كبيرة، لكن المسافة النفسية كانت شاسعة.
كثيرون من أبناء الساحل، وأنا منهم، تابعوا الأخبار الأولى بمزيج من القلق والاستغراب: “هل يعقل أن يحدث هذا في سوريا؟ في درعا؟”
كان هناك في البداية نوع من الإنكار الجماعي. فكرة الاحتجاج على النظام كانت شبه مستحيلة في الخيال المحلي، خاصة في بيئة اعتادت على الخوف، وربما شعرت – بوعي أو بدونه – بأنها مستفيدة من الوضع القائم، أو على الأقل محمية منه.
ثم بدأ القلق يتسلل. لم يكن قلقًا من سقوط النظام فحسب، بل من انكشاف هشاشة التعايش الداخلي. في الساحل، حيث يشكل العلويون نسبة كبيرة، رافقت الثورة منذ أيامها الأولى مشاعر مختلطة: خوف وجودي، إحساس بالاستهداف، وارتباك بين الولاء الطائفي والانتماء الوطني. كأن السؤال لم يكن فقط “ماذا يحدث في درعا؟” بل “ماذا سيحدث لنا إن امتدّ هذا الحريق؟”
البعض – خاصة من فئة الشباب المتعلم – أبدى تعاطفًا صامتًا مع مطالب المتظاهرين. كانوا يرون في الحراك فرصة لحياة أكثر عدلًا وكرامة، لكنهم كانوا قلّة، وصوتهم خافت وسط بحر من الريبة والتحشيد الإعلامي الذي رسم منذ البداية صورة نمطية للثورة بأنها تهديد طائفي، لا حراكًا شعبيًا.
في المجالس الخاصة، كان الناس يتحدثون بحذر، يراقبون بعضهم البعض قبل أن يبدوا رأيًا. كان هناك خوف حقيقي من “الفتنة”، وهذه الكلمة – كما تعلم – تحمل في وجدان الساحليين معنىً عميقًا، يلامس هواجس إبادة متخيلة.
ببساطة، استقبل مجتمعنا الثورة لا كصرخة مطالبة بالحرية، بل كإنذار وجودي. وربما كانت تلك اللحظة، لحظة درعا، أول مرة شعر فيها الساحل أنه ليس بمنأى عن العاصفة، وأن “الهدوء” الذي عشنا فيه طويلًا لم يكن إلا غشاءً هشًا فوق بركان صامت.
3- كيف تفسر موقف شريحة واسعة من أبناء الساحل من الثورة، ولماذا – برأيك – بقيت بعض المدن بعيدة عن الحراك؟
موقف شريحة واسعة من أبناء الساحل من الثورة لم يكن موقفًا سياسيًا بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما كان موقفًا غريزيًا، نابعًا من الخوف أكثر من القناعة. الثورة، كما تلقاها كثيرون في الساحل، لم تُفهم بوصفها حراكًا يطالب بالحرية والكرامة، بل فُسرت – عن قصد أو نتيجة إرث طويل من التوجس – على أنها تهديد لهوية الجماعة ومصيرها.
علينا أن نفهم أن أبناء الساحل، وخاصة العلويين، لم يعيشوا علاقتهم مع الدولة على أنها مجرد علاقة مواطنة، بل تشكلت على مدى عقود كنوع من الحماية المتبادلة. الدولة – أو بالأحرى النظام – وفر لهم، في نظر كثيرين، الأمان وفرص العمل والنفوذ النسبي، وهم، في المقابل، أخلصوا له بوصفه درعًا ضد الخوف التاريخي من التهميش أو الإبادة. الثورة، حين اندلعت، بدت لهم وكأنها تستهدف هذا التوازن الهش، بل تستهدف وجودهم نفسه.
ولم يكن هذا كله وليد اللحظة. الإعلام الرسمي، وخطاب السلطة، وحتى الذاكرة الجمعية، ساهمت في تكريس هذا الشعور. تمت شيطنة الثورة منذ أيامها الأولى، وتم تسويقها كـ”مؤامرة سنية” أو “انتفاضة طائفية”، ما رسّخ الحذر، ثم العداء، لدى شريحة كبيرة من الساحليين.
ومن جهة أخرى، لعبت المظلومية العلوية التاريخية دورًا في صياغة هذا الموقف الدفاعي.
4- ما الذي تغير في وعيك السياسي والاجتماعي منذ لحظة اندلاع الثورة حتى اليوم
كثير. في البداية، كنت أرى الأمور بشكل ثنائي: حق وباطل، ثورة ونظام، شعب وسلطة. كنت أؤمن أن سقوط رأس النظام سيكفي لفتح الطريق نحو التغيير الجذري. لكن مع الوقت، ومع تراكم التجارب والأحداث والانكسارات، تغير هذا الوعي. أدركت أن ما نواجهه أعمق من شخص أو سلطة؛ نحن أمام منظومات ممتدة، في الدولة والمجتمع معًا.
على المستوى السياسي، أصبحت أكثر وعيًا بمفهوم “الشرعية” وكيف يُعاد إنتاجها. تعلمت أن الثورة ليست فقط لحظة انفجار، بل سلسلة طويلة من التحولات، وأن الشعارات لا تكفي إن لم تترجم إلى مشاريع وبُنى بديلة.
أما اجتماعيًا، فأصبحت أرى الفجوات التي كانت خافية عليّ من قبل: بين الطبقات، بين المدن والأطراف، بين من يملك الصوت ومن لا يُسمع. اكتشفت أن التغيير لا يكون فقط بإسقاط النظام، بل بمراجعة عميقة للثقافة التي أنتجته واحتضنته.
بالمختصر: انتقلت من الحماس إلى التأمل، ومن الرغبة في النصر السريع إلى القناعة بأن المعركة الأهم هي في الوعي، في التنظيم، وفي النفس الطويل.
5- كيف تنظر اليوم إلى سوريا ككل؟ وهل ترى أنها ما زالت دولة واحدة أم باتت مجموعة من الكيانات المتجاورة؟
اليوم، بعد كل ما مررنا به، يمكنني القول إن سوريا لم تعد كما كانت، لكنها لن تذهب نحو التفكك. عشنا سنوات طويلة من الانقسام الفعلي: مناطق نفوذ، حدود غير معلنة، سلطات أمر واقع، ولاءات متنافرة. وكان من السهل آنذاك أن نصدق أن البلد انتهى كوحدة سياسية واجتماعية.
لكن ما اكتشفناه بعد التحرير هو أن الروح السورية، رغم كل شيء، لم تُكسر. صحيح أن الخريطة كانت مبعثرة، لكن الرابط بين الناس ظل قائمًا ـ أحيانًا بصمت، أحيانًا بتمرد خفي، وأحيانًا بمجرد الانتظار. لم يكن السوريون مرتاحين لهذا التشظي، بل كانوا مرغمين عليه.
اليوم، مع عودة البلد إلى مسار التحرير وإعادة البناء، نعرف أن “الدولة الواحدة” لن تُعاد كما كانت، بل ستُعادَل: سنبني شكلًا جديدًا من الدولة، أكثر عدلًا، تمثيلًا، وتوازنًا بين المراكز والأطراف، بين المكونات، بين السلطة والمجتمع. وحدة سوريا اليوم لم تعد مجرد جغرافيا، بل مشروع سياسي وأخلاقي في آن واحد. والرهان الحقيقي ليس على استعادة الخريطة فحسب، بل على إعادة المعنى.
6- اللاذقية… ماذا تمثل لك اليوم؟ وهل يمكن أن تلعب دورًا في سوريا المستقبل؟
اللاذقية بالنسبة لي اليوم مدينة مزدوجة الملامح: من جهة، هي المدينة التي التصق بها اسم النظام لسنوات، وتحولت ظلمًا إلى مرادف للسلطة، وكأنها بكاملها كانت في موقع الهيمنة. ومن جهة أخرى، هي مدينة مخنوقة، صامتة، وربما من أكثر المدن التي دُفعت لتدفع الثمن بصمت، دون أن يُسمح لها حتى بالصراخ.
ما اكتشفناه لاحقًا ـ وما يجب أن يُقال بوضوح ـ هو أن اللاذقية ليست مجرد قاعدة للنظام، بل مجتمع كامل فيه الفقر والتهميش والخوف، كما في أي مكان آخر. فيها من خُدعوا، ومن قاوموا بصمت، ومن حاولوا النجاة بأي ثمن. وقد آن الأوان لكسر هذه الصورة النمطية.
في سوريا المستقبل، أرى أن اللاذقية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا، شرط أن تتحرر من العبء الذي فُرض عليها، وأن تُمنح فرصة لقول صوتها الحقيقي. هي مدينة غنية بالتنوع، بالكوادر، بالحياة الساحلية المنفتحة، ويمكن أن تكون جسرًا بين المركز والمحيط، بين الداخل والخارج.
لكن هذا الدور لن يكون تلقائيًا. يجب أن تُعاد كتابة العلاقة بين اللاذقية وباقي سوريا، ليس فقط على مستوى الإدارة والسياسة، بل على مستوى السردية: أن تُروى قصتها كما عاشها أهلها، لا كما فرضها الإعلام أو العسكر. حينها فقط يمكن أن تخرج من الظل، وتكون شريكة فعلية في المستقبل.
7- ما الرسالة التي يحملها أبناء المدن المُهجرة من الساحل السوري لبقية السوريين؟ وهل هناك فرصة لبناء جسور جديدة بينهم؟
الرسالة الأولى، والأهم، هي: لسنا ما ظننتم، ولسنا ما صوّرتنا الحرب.
أبناء المدن المُهجرة من الساحل ـ كبانياس، والبيضا، والحفة، وتلك القرى التي مُسحت من الذاكرة العامة ـ عايشوا الصدمة المزدوجة: كانوا من أوائل من ثاروا، لكنهم أيضًا كانوا من أوائل من دُفعوا إلى الصمت، أو إلى خارج المشهد، أو إلى المقابر الجماعية. لم يكونوا في صف السلطة، بل في مرمى نيرانها.
رسالتهم اليوم لبقية السوريين هي دعوة للإنصاف، لا للشفقة. دعوة لفتح السجلات المنسية، لقراءة ما حدث في الساحل كجزء من سردية الثورة لا كاستثناء عنها. هم يقولون: نحن شاركنا الحلم، ودفعنا ثمنه، وآن أوان استعادة صوتنا من الهامش.
أما عن الجسور، ففرص بنائها قائمة، لكنها تحتاج إلى شجاعة مضاعفة من الطرفين. من أبناء الساحل، أن يرووا قصتهم دون خوف. ومن بقية السوريين، أن يستمعوا دون أحكام مسبقة. المصالحة لا تبنى بالشعارات، بل بالاعتراف المتبادل بالخسارة، وبالنية الصادقة لكتابة مستقبل لا يُقصي أحدًا.
الساحل، حين يُنصَف، يمكن أن يكون بوابة للمصالحة لا عقبة أمامها. لكنه بحاجة لأن يُرى أخيرًا، لا كحصن للسلطة، بل كجزء من الشعب الذي نكّل به النظام قبل غيره، وباسمه أحيانًا.


































































































