ألين هلال – تفاصيل برس
ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بحادثة غير مسبوقة في مدينة حلب، بعد كشف القاضي أحمد مصطفى حسكل، عن تعرضه للضرب والإهانة من قبل عناصر أمن أثناء مزاولته عمله، في قضية جرم مشهود.
الروايتان، إحداهما من القاضي والأخرى من رئيس قسم الصالحين في شرطة حلب، تكشفان تناقضاً يعيد طرح الأسئلة القديمة عن سلوك الأجهزة الأمنية، واستمرار إرث السلطة القمعية التي ثار السوريون ضدها قبل أكثر من عقد.
رواية القاضي أحمد حسكل
في منشور على صفحته الشخصية، قال القاضي أحمد حسكل، المناوب في قضايا الجرم المشهود، إنه تلقى اتصالاً ليل السبت من قسم شرطة الصالحين يُبلغه بوقوع جريمة قتل ونقل الجثة إلى مشفى حلب الجامعي.
وعند وصوله، طلب نقل الجثة إلى الطبابة الشرعية لسماع الإفادات وفتح الضبط، لكنه فوجئ بأحد عناصر الشرطة يباشر كتابة الضبط في المشفى، ما دفعه للتدخل شخصياً لتوقيف الإجراءات.
وبعد خروجه، اعترضه شخص مجهول آنذاك وصفه بـ”قليل الأدب” وصفعه أمام الناس، فما كان من القاضي إلا أن رد الصفعة بدافع لا إرادي، ليتبين لاحقاً أن المعتدي هو رئيس قسم الأمن العام في حي الصالحين.
ويقول القاضي إن الأخير أمر بوضعه في “الباكاج” إلى جانب موقوف، وسط شتائم واتهامات بأنه “شبيح”، ثم اقتيد إلى القسم حيث تعرض للضرب والاحتجاز في زنزانة انفرادية.
القاضي تعسّف وأهان العناصر
أما رئيس القسم عبيدة الطحان، فقد صرّح بأن القاضي تعمّد إهانة عناصر الشرطة داخل المشفى أمام ذوي القتيل، متحدثًا معهم بـ”استعلاء وتعالٍ”، ما استدعى تدخل الطحان لمطالبته بالهدوء والاحترام.
وأضاف أن القاضي تطاول عليه لفظياً وجسدياً، مما أدى إلى شجار بينهما، ليتم نقله لاحقاً إلى القسم وفتح ضبط بحقه، حيث نصب الطحان نفسه مدعياً شخصياً ضده.
وخلال التحقيق، أشار الطحان إلى أن القاضي أخبره بأنه كان يعالج قضايا الإرهاب، ما دفعه إلى تحذيره من “أساليب نظام الأسد” على حد تعبيره، وتسليمه إلى المحامي العام الأول.

وزارة العدل تتدخل وتستنكر
وزارة العدل أصدرت بياناً أكدت فيه تواصل وزير العدل مع نظيره في الداخلية، الذي استنكر الحادثة ووجّه بفتح تحقيق عاجل، تم بموجبه توقيف المتورطين وإحالة القضية إلى القضاء المختص.
كما شددت الوزارة على التزامها بحماية القضاة واستقلال السلطة القضائية، موضحة أن القاضي حسكل لم يعمل سابقًا في محاكم الإرهاب الملغاة، في رد غير مباشر على ما نُشر من تشكيك في خلفيته.
المحامون بين الاستنكار والدعوة للمحاسبة
الحادثة أثارت جدلاً داخل أوساط المحامين في حلب، إذ عبّر البعض عن تضامنهم مع القاضي، بينما رأى آخرون أن الحادثة تكشف عمق أزمة الثقة في القضاء.
المحامي محمد حربلية اعتبر أن تعالي بعض القضاة واستغلالهم للحصانة القانونية زاد من غضب الناس تجاه السلطة القضائية، خاصة بعد تورط بعضهم في شرعنة جرائم النظام خلال السنوات الماضية.
وأكد أن الاعتداء على القاضي مرفوض بكل المقاييس، داعياً إلى تقديم شكاوى قانونية بدلاً من العنف، وإلى إصلاح شامل للسلطة القضائية وتأهيل عناصر الأمن الداخلي لمعرفة حدود صلاحياتهم.
من جهة أخرى، اعتبر محامون أن الحادثة أثارت ازدواجية في المعايير، متسائلين عن غياب هذه الحماسة التضامنية عندما كان الثوار يُضربون ويُعتقلون ويُشردون، مشيرين إلى أن “بعض المحامين لا يزالون يخشون فتح ملفات الفساد التي طالت زملاءهم أو مسؤولين قضائيين عملوا تحت راية النظام”.
وأفرجت السلطات السورية في حلب، عن عبيدة طحان رئيس قسم الصالحين، بعد ساعات من الاعتصام والتظاهر السلمي لعشرات الثوار والناشطين أمام القصر العدلي بحلب وأمام مبنى فرع الأمن العسكري بحلب سابقاً، مطالبين بالإفراج عن “طحان” ومشيرين إلى أن القاضي حسكل، ومتورط بـ”قضايا فساد وجرائم إنسانية ضد السوريين أبان عمله كقاضي خلال فترة حكم نظام الأسد”.
وفي 23 أيار الحالي، أطلق ناشطون وثوّار من مدينة حلب حملة إلكترونية تحت وسم “القصر العدلي عدو”، تعبيرا عن رفضهم المطلق لاستمرار وجود قضاة ومحامين داخل مؤسسة القضاء ممن تورطوا سابقًا في خدمة منظومة النظام القمعي، وكانوا جزءًا من أدواته في شرعنة الظلم واستباحة الكرامة الإنسانية.
وأوضح منظّمو الحملة أن هذه الخطوة تنطلق من شعور بالمسؤولية الثورية والإعلامية، ووفاء لدماء الشهداء والمعتقلين وضحايا القمع، مؤكدين أن مؤسسات العدالة لا يمكن أن تُدار بأدوات النظام الذي غطّى على جرائم المخابرات وساهم في شرعنة الاعتقالات التعسفية، بل إن استمرار وجود هؤلاء داخل مفاصل القضاء هو انتكاسة لمطالب السوريين في بناء دولة حرة وعادلة.
وأشار بيان الحملة إلى أن القصر العدلي في حلب شكّل لسنوات طويلة منصة لتوقيع قرارات القمع والتنكيل، وتحول إلى أداة بيد السلطة الأمنية لتصفية الخصوم وتلفيق التهم، على يد قضاة ومحامين انخرطوا طوعا في خدمة الاستبداد، وصاروا واجهة قانونية لتكريس الظلم. وأكد البيان أن من ساهم بالأمس في تبرير القمع لا يُؤتمن اليوم على تحقيق العدالة، ومن وقّع على الظلم لا يحق له التحدث باسم القانون.
وأكد منظّمو الحملة أن تطهير المؤسسة القضائية من رموز الظلم هو شرط لا غنى عنه لبناء قضاء مستقل ونزيه، ولا يمكن الحديث عن عدالة حقيقية في ظل قضاة شرعنوا السجون، أو محامين وقفوا في صف الجلاد على حساب الضحية. وشددوا على أن لا هيبة لقضاء يحتضن من خان قسم العدالة، ولا شرعية لمؤسسة تحتفظ بأدوات الاستبداد تحت عباءة القانون.
وفي السياق ذاته، لقي القرار الصادر عن مجلس فرع نقابة المحامين في حلب ترحيبا واسعا بين الناشطين، بعد أن أعلن عن وقف الترافع أمام القاضي “حسين فرحو” في جميع القضايا، وتجميد أي نشاط قانوني يتعلق به، على خلفية اتهامه بالضلوع في ارتكاب مخالفات جسيمة وانتهاكات موثقة بحق الشعب السوري خلال فترة عمله القضائي في عهد النظام السابق. وأوضح المجلس أن هذا القرار يأتي حرصا على سمعة المهنة ومبادئ العدالة، وارتكازًا إلى شهادات موثقة تؤكد تورطه في ممارسات تخالف القيم القانونية والإنسانية، مؤكدا أنه إجراء احترازي لحين اتخاذ التدابير القانونية من الجهات المختصة.
ودعا المجلس جميع المحامين المنتسبين إلى فرع حلب إلى الالتزام التام بمضمون القرار، محذرا من أن أي مخالفة ستعرّض صاحبها للمساءلة المسلكية أمام مجلس التأديب، وفقًا لأحكام قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 30 لعام 2010 والنظام الداخلي للنقابة. كما جدّد تأكيده على التزام النقابة بمتابعة قضايا الشعب السوري، والعمل من أجل ضمان محاكمات عادلة وتعزيز استقلال القضاء وحماية حقوق الإنسان في مرحلة ما بعد الاستبداد.


































































































