إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
في توقيت دقيق تمر فيه سوريا بمرحلة إعادة تقييم شاملة لبنيتها الاقتصادية، طرحت على الطاولة أفكار جريئة لإعادة الإعمار، كان أبرزها ما أعلنه وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور محمد نضال الشعار، بأن “النموذج الإماراتي هو الأساس، وتحديداً نهج دبي مناسب جدا لنا”، مشيراً إلى أن الوقت قد حان لاقتباس التجارب الناجحة في محيطنا الإقليمي لبناء اقتصاد عصري.
فجوة الأرقام بين دمشق ودبي
النموذج الإماراتي، الذي نقل دبي من صحراء تجارية إلى مركز مالي وتقني عالمي، يقدم درساً بالغ الأهمية لسوريا التي تحاول الخروج من سنوات طالت ودمّرت فيها بنيتها الاقتصادية، ففي حين تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للإمارات حاجز 500 مليار دولار عام 2022، انكمش الاقتصاد السوري إلى نحو 23.6 مليار دولار، متأثراً بالحرب والعقوبات والفساد الإداري، وفق بيانات البنك الدولي.
جذب الاستثمار بين الانفتاح والجمود
أحد أبرز أركان النموذج الإماراتي يتمثل في البيئة الاستثمارية المفتوحة، حيث القوانين المرنة والضمانات الجاذبة ساهمت في تدفق رؤوس الأموال، في حين لا تزال سوريا تواجه عزوفاً استثمارياً واسعاً بسبب ضعف البنية التشريعية، وتعقيد الإجراءات، وعدم استقرار السوق.
الرقمنة
في الإمارات، لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار، بل سياسة وطنية شاملة تتقدم بها البلاد بثبات، فقد وضعت أبوظبي ودبي هدفا لمضاعفة مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى ما يقارب 20% من الناتج المحلي خلال عقد، في المقابل، لا تزال سوريا تفتقر إلى بنى تحتية تقنية، وتغيب عنها أي استراتيجية رقمية متماسكة، ما يهدد قدرتها على دخول أسواق المستقبل.
الإدارة الحكومية
النقطة المفصلية الأخرى التي استلهمتها دمشق من دبي، هي كفاءة الإدارة الحكومية، التي تمثل عنصراً حاسماً في أي نهوض اقتصادي، ففي الإمارات، تم تطوير جهاز حكومي يتبنى الحوكمة، ويقيس الأداء، ويستجيب بسرعة، أما سوريا، فلا تزال ترزح تحت عبء البيروقراطية الثقيلة، ونقص الكوادر المؤهلة، والقرارات المكدسة.
مسار التقارب
اللافت أن هذه الرغبة السورية في الاقتراب من النموذج الإماراتي تأتي في سياق سياسي مريح نسبياً، حيث شهدت العلاقات بين دمشق وأبوظبي تحسنا ملحوظا في الآونة الأخيرة، ما يفتح الباب أمام تعاون استثماري وتقني محتمل قد يشكل أساساً لتحول تدريجي مدروس.
مفترق طرق
رغم ما تحمله النماذج الإقليمية من إلهام، إلا أن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة سوريا على تكييف تلك النماذج بما يتناسب مع واقعها، فليس المطلوب نسخ تجربة دبي بحذافيرها، بل توطين عناصر نجاحها ضمن بيئة سورية معقدة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
بالتالي دمشق اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إما الدخول في مغامرة إصلاح حقيقية تستلهم تجارب النجاح، أو البقاء في حلقة مفرغة من الجمود الإداري والانكماش الاقتصادي.


































































































