دانا برجاس – تفاصيل برس
أعيد افتتاح معبر العريضة الحدودي بين سوريا ولبنان صباح أمس الثلاثاء، بعد انتهاء المرحلة الأولى من أعمال التأهيل، وبينما جاء قرار إعادة فتح المعبر تيسيراً لحركة الأهالي خلال عطلة عيد الأضحى، فإن الأهمية الحقيقية لهذا الحدث تتجاوز البعد الإنساني أو الموسمي، لتلامس عمق التحديات الاقتصادية المرتبطة بتوقف الحركة عبر الحدود.
شريان حياة اقتصادي
في بلدين يتجاوز فيهما الاعتماد على التجارة البرية نسبة 70% من إجمالي التبادل التجاري غير البحري، تُعد المعابر البرية، مثل معبر العريضة، شرايين اقتصادية بالغة الأهمية. فعلى سبيل المثال، شكّل معبر العريضة في عام 2010، قبل اندلاع الثورة السورية، نقطة عبور لأكثر من 400 شاحنة يومياً، محملة بسلع غذائية، مواد بناء، وأجهزة كهربائية.
وقدّر حجم التبادل التجاري عبره آنذاك بما يفوق 150 مليون دولار سنوياً، وعليه لم يكن المعبر يخدم حركة التجارة الرسمية فقط، بل يشكل مصدر رزق لعشرات العائلات التي تعمل في النقل، التخليص الجمركي، والخدمات المحيطة بالمعبر من إيواء وتموين.
خسائر بالملايين وعائلات بلا دخل
بعد عام 2011، ومع تدهور البنية التحتية وتراجع مستوى التنسيق الحدودي، انخفضت حركة المعبر بنسبة تزيد عن 80%، ما أدى إلى اختفاء شبه كامل للدور الاقتصادي الذي كان يلعبه. وبحسب دراسة صادرة عن “مركز الدراسات الاقتصادية في طرابلس” عام 2023، فإن إغلاق معبر العريضة لمدة شهر واحد فقط يسبب خسائر مباشرة تُقدّر بـ2.5 مليون دولار للاقتصاد اللبناني، تشمل التبادل التجاري، التهريب المضبوط، والأنشطة المرافقة.
وذكر في الدراسة إن “إغلاق المعابر لا يؤدي فقط إلى تعطل التبادل التجاري، بل يفاقم الأزمات المعيشية، خصوصاً في المناطق الحدودية التي تعاني أصلًا من نسب بطالة تتجاوز 40%. في طرابلس والمنية -الضنية مثلًا، يعتمد أكثر من 60% من الحرفيين وصغار التجار على تدفق المواد الأولية من سوريا عبر معابر مثل العريضة. كما أن السوق السوري، رغم تراجع قوته الشرائية، لا يزال يستوعب جزءاً مهماً من الإنتاج الزراعي اللبناني في المواسم”.
كما أشارت الدراسة إلى أنه “من الجانب السوري، يشكل لبنان منفذاً ضرورياً للوصول إلى الأسواق العالمية، لا سيما في ظل العقوبات وصعوبة التعامل المصرفي الخارجي. ويُعد معبر العريضة من أقصر الطرق التي تربط بين الساحل السوري ومرفأ طرابلس، حيث تمر من خلاله بعض الصادرات السورية القابلة للنقل البري كالفواكه، الألبسة، والمصنوعات اليدوية، ما يساهم جزئياً في تغطية العجز التجاري السوري الذي بلغ وفق إحصاءات 2023 نحو 3.5 مليار دولار”.
فرص عمل وعودة تدريجية للأسواق
اقتصادياً لا يمكن الحديث عن تعافي في بلدين مثل لبنان وسوريا دون إعادة تفعيل المعابر الحدودية بوصفها أدوات اقتصادية حيوية.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن تأهيل المعابر البرية وتبسيط الإجراءات الجمركية يمكن أن يرفع حجم التبادل بين سوريا ولبنان بنسبة 30% خلال ثلاث سنوات، ويؤمن ما لا يقل عن 20 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة على الجانبين. كما أن تسهيل حركة البضائع سيساهم في تقليص الفجوة السعرية للمواد الأساسية، ويعزز من تنافسية الأسواق الداخلية، ما ينعكس بشكل مباشر على المستهلك.
وبالتالي إعادة افتتاح معبر العريضة، وإن كان جزئياً ومؤقتاً، يعيد التذكير بأن المعابر ليست مجرد نقاط تفتيش، بل هي صمامات حيوية لأي اقتصاد منفتح. والاستثمار في صيانتها وتطويرها لا يقل أهمية عن أي برنامج إنقاذ مالي أو خطة إصلاح نقدي.


































































































