إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
بينما تواصل سوريا التقاط أنفاسها من عقد دام من الحرب والعقوبات والانغلاق الاقتصادي، بدأت تظهر ملامح مشهد اقتصادي جديد يستقطب أنظار المستثمرين من دول متعددة، ليس من باب السياسة هذه المرة، بل من بوابة الاستثمار، فالموقع الجغرافي الذي شكل عبئاً في مراحل الصراع، يبدو اليوم أنه يتحول إلى ميزة استراتيجية تستقطب كبريات الشركات والصناديق الباحثة عن فرص نادرة في أسواق ما بعد الأزمات.
الخبير الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي، يسلط الضوء على هذا التحول المتسارع في البنية الاقتصادية السورية، مشيراً إلى أن السوق المحلي يشهد ديناميكيات جديدة تستدعي قراءة مختلفة، فبعد سنوات من التجمد، بدأت الأسئلة تنهال من مؤسسات استثمارية حول كيفية الدخول إلى السوق السورية، وماهية القطاعات الواعدة، وهو ما يعكس اهتماماً دولياً غير مسبوق بمستقبل الاقتصاد السوري.
مؤشرات جديدة وفرص غير تقليدية
خربوطلي بحديثه لـ “تفاصيل برس” رأى أن التحولات التي طرأت على مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاعات الإنتاجية والخدمية، جعلت من الاقتصاد السوري ساحة خصبة لفرص استثمارية متنوعة، ويكمن التحدي الأكبر الآن في تقييم تلك الفرص استناداً إلى معايير الجدوى الاقتصادية، لا سيما معدل العائد الداخلي الذي يعتبر المؤشر الحاسم لأي قرار استثماري، وتشير الأرقام الحالية إلى أن هذا المعدل في سوريا يتراوح بين 22% و25%، وهو مستوى مرتفع نسبياً تفرضه جملة من العوامل مثل ارتفاع معدلات الفائدة والتضخم، إلى جانب عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية العامة، ورغم أن هذه المعدلات قد تشكل حاجزاً لدى البعض، إلا أنها في نظر مستثمرين آخرين تعكس هوامش ربح مغرية، خصوصاً إذا تحسنت البيئة العامة وتم تأمين الحد الأدنى من الاستقرار المالي.
السياق الإقليمي والفرصة السورية
في هذا الإطار، يؤكد الدكتور خربوطلي أن الاستثمار في سوريا لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي الذي يشهد اليوم سباقاً على إعادة التمركز الاقتصادي، فالشراكات، والاتفاقيات الثنائية، وحركة رؤوس الأموال العابرة للحدود، باتت تشكل البنية الحاكمة لأي نشاط اقتصادي مستدام، وتتموضع سوريا، في هذا السياق، كمحور جذب محتمل ضمن منظومة إقليمية أوسع، لا سيما إذا تمكنت من تهيئة مناخ استثماري ملائم.
القطاعات الأكثر جذباً
تعد البنية التحتية أحد أبرز الملفات المفتوحة، حيث لم تشهد هذه المرافق أي تحديث منذ أكثر من أربعة عقود، وهو ما يفسح المجال واسعا أمام الاستثمار في الطرق والمرافئ والمطارات والسكك الحديدية، وفي المقابل، تبرز الصناعات الاستخراجية كأحد المفاتيح الرئيسية، خصوصاً في مجالات النفط والغاز والفوسفات، حيث تزداد الحاجة لإعادة تفعيل هذه الموارد وفق عقود شراكة دولية مدروسة.
أما الصناعات التحويلية، فتمتلك سوريا فيها بعض الميزات النسبية، خاصة في الصناعات الغذائية والنسيجية، وهو ما يمكن البناء عليه لإعادة تأهيل هذه القطاعات ضمن سلاسل إنتاج فعالة تتيح الوصول إلى أسواق خارجية، كما تحتاج الصناعات الهندسية والكيميائية إلى نقل تكنولوجيا وتوقيع شراكات امتياز، تؤمن لها مستوى جودة يسمح بالمنافسة محلياً ودولياً.
ويتواصل المشهد الاستثماري المتنوع بفرص كبيرة في السياحة والعقارات، حيث لا تزال العديد من المناطق والبنى مغلقة أو غير مستثمرة، في ظل طلب مرتفع وفجوة عمرها أكثر من عشر سنوات، وفي ظل الحاجة المتزايدة لحلول رقمية، تعود مجالات التكنولوجيا والذكاء الصناعي والتطبيقات الصحية والتعليمية إلى الواجهة، لتمثل أرضية جاهزة لانطلاقة رقمية جديدة.
وفي القطاع المالي، تبدو الحاجة ملحة لإعادة هيكلة وتوسيع نشاط المصارف ومؤسسات التمويل، لا سيما تلك التي تعمل وفق صيغ تمويل إسلامي أو تقليدي، إلى جانب إطلاق صناديق استثمار تلعب دوراً تمويلياً مباشراً في تحريك المشاريع المتوسطة والصغيرة، كما أن الزراعة السورية تتطلب اليوم نماذج إنتاج وتسويق أكثر حداثة، قائمة على شركات قادرة على إدارة سلسلة الإنتاج من الزراعة إلى التصدير.
التحديات والفرص
يبقى التحدي الأكبر في إعداد دراسات جدوى أولية ذات مصداقية، تراعي متغيرات السوق وتضمن استدامة المشاريع، وتحاكي الحساسية العالية تجاه المستقبل غير المؤكد، ويؤكد الدكتور خربوطلي أن مجرد توفر فرصة لا يعني تلقائياً نجاحها، إذ يعتمد الأمر على أدوات التحليل الفني والمالي، وعلى قدرة المستثمر على احتساب المخاطر بدقة وربطها بالعائد المتوقع.
وبعد أن كانت سوريا لعقد كامل مساحة مغلقة على الاستثمارات بفعل الأوضاع الأمنية والسياسية، تجد نفسها اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة التموضع اقتصادياً، لكن هذه الفرصة، كما يحذر الدكتور عامر خربوطلي، مشروطة بقدرة الدولة على استقطاب الشركاء الفعليين، وبأن تتعامل مع الاستثمار ليس كـ “تمويل بديل”، بل كركيزة استراتيجية للنمو الحقيقي،
فالخروج من الأزمة لا يتم بالمساعدات، بل بإعادة بناء منظومة إنتاج واستثمار متكاملة، تستند إلى قواعد السوق، وإلى شراكات مدروسة، وتفتح الأبواب لاجتذاب رأس المال الباحث عن الأسواق النامية التي تحترم معادلة العائد مقابل المخاطرة.


































































































