دانا برجاس – تفاصيل برس
كأن البلاد بدأت تتنفس مجدداً من رئتيها الشرقية والجنوبية.. فبعد أعوام من الصمت والإغلاق، فتحت سوريا معبر البوكمال – القائم الحدودي مع العراق، لتُعيد الحياة إلى طريق طالما جمع الناس والتجارة، قبل أن تقطعه الحرب وتُعطّله السياسة.
مشهد الشاحنات المتكدسة بانتظار العبور، والعائلات التي ترقُب الوصول من الطرف الآخر، بدا وكأنه أكثر من مجرد خطوة إدارية، إنه إحياء لنبض كان خامداً.
وفي خطوة موازية تنمّ عن نية حقيقية للانفتاح، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية عن إعادة فتح معبر التنف مع العراق خلال الأسبوع المقبل، بعد إتمام كل ما يلزم من تجهيزات لوجستية وأمنية. هذه العودة المرتقبة تعني أكثر من مجرد عبور شاحنات؛ إنها عودة الروابط التي لطالما شكّلت شرايين الحياة بين سوريا والعراق، تحديداً عبر محافظة الأنبار.
الهيئة أكدت عبر بيان نشرته اليوم الأحد على صفحتها في “فيسبوك” جاهزية كوادرها وكافة مرافق المعبر الخدمية، داعية السائقين والمسافرين إلى الالتزام بالإجراءات المعتمدة لضمان سلاسة الحركة وسلامة الجميع.
نبضٌ اقتصادي يعود
كان معبر التنف، قبل اندلاع الحرب، أحد أهم المنافذ البرية لسوريا باتجاه العراق. تشير الأرقام إلى أن نحو 20% من صادرات سوريا البرية إلى العراق كانت تمر من خلاله، بمعدل يومي تراوح بين 300 إلى 350 شاحنة محمّلة بالبضائع المتنوعة، من الخضار والفواكه إلى المعدات والمنتجات النسيجية والغذائية.
لم تكن الأهمية تقتصر على التصدير فقط، بل كانت واردات العراق تغذي السوق السورية بكثير من المواد الأساسية، وعلى رأسها الحبوب والمواد الخام.
جغرافياً، يحتل المعبر موقعاً بالغ الأهمية، فهو يُمثل أقصر خط بري بين الساحل السوري والخليج العربي، مروراً بمحور طرطوس – حمص – تدمر – التنف – الأنبار، ما يوفر قرابة 35% من زمن الرحلات ويخفض تكاليف الشحن بما يصل إلى 40%، وهي أرقام كفيلة بتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات السورية في الأسواق المجاورة، في حال استمرت وتيرة الاستقرار.
وقد جرى تطوير البنية التحتية للمعبر بشكل حديث، مع ساحات تفتيش موسّعة، ومرافق جمركية مؤتمتة، ونقاط إدارية مرتبطة إلكترونياً لتسريع الإجراءات ومنع التكدّس. ويتوقع أن تصل القدرة التشغيلية للمعبر إلى 500 شاحنة يومياً في فترات الذروة، مع إمكانية التوسعة مستقبلاً حسب الحاجة.
أفق اقتصادي وسياسي أوسع
لا تُخفي الأوساط الاقتصادية تفاؤلها، فافتتاح المعبر يعيد الأمل في استعادة الحصة السوقية التي خسرها المنتج السوري خلال سنوات الحرب، حيث تراجعت الصادرات إلى العراق بنسبة 80%. كما ترى الجهات الرسمية في هذه الخطوة جزءاً من خطة استراتيجية أكبر لإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي كمركز عبور بري في المنطقة.
وما بين رسوم الجمارك والعبور، وفرص العمل التي ستُخلق، تنتظر الخزينة العامة إيرادات قد تساهم في تخفيف بعض من الأعباء الاقتصادية المتزايدة.
من الانقطاع إلى التواصل
عودة التنف ليست مجرد حدث حدودي، بل لحظة رمزية تقول إن الجغرافيا، التي قُطّعت أوصالها طويلاً، قادرة على التلاقي من جديد. بادية كانت خارج الخدمة بدأت تستعيد نبضها، والطرقات التي أصابها الصدأ تستعد لتستقبل الحياة مجدداً.
ولا تزال بعض المعابر الأخرى خارج الخدمة أو تعمل بطاقة منخفضة، بسبب الظروف الأمنية أو اللوجستية، مما يعيق تدفّق البضائع وحركة المسافرين. في ظل هذه التحديات، تبدو عودة المعابر الحيوية بمثابة خطوة أولى نحو إعادة نسج شبكة العلاقات التي طالما ربطت سوريا بجيرانها وأسواقها الطبيعية.


































































































