إبراهيم مخلص الجهني- تفاصيل برس
في خضم التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، لم تعد المنشآت النفطية والغازية الإيرانية مجرد بنى تحتية اقتصادية، بل تحوّلت إلى أهداف عسكرية واستراتيجية بامتياز، فالهجمات الإسرائيلية الأخيرة التي طالت منشآت طاقة في عسلويه ومحيط مصفاة طهران، ورد طهران بقصف مصفاة حيفا الإسرائيلية، يضع مصافي النفط الإيرانية في قلب الصراع الإقليمي، ويعيد تسليط الضوء على موقعها الحيوي في اقتصاد إيران وعلاقاتها الدولية.
حجر الزاوية في الاقتصاد الإيراني
تعد مصافي النفط في إيران عصب الصناعة الطاقوية، إذ تلعب دوراً محورياً في تكرير النفط الخام وتحويله إلى منتجات مكررة مثل البنزين والديزل والمازوت، إلى جانب توفير المواد الخام للقطاع البتروكيميائي، وتشير البيانات الرسمية إلى أن الطاقة التكريرية لإيران تبلغ نحو 2.4 مليون برميل يومياً، موزعة على تسع مصاف كبرى، إضافة إلى مصفاة المكثفات الغازية العملاقة “ستارة الخليج الفارسي”، الأمر الذي ساعد إيران في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي لفترة، قبل أن تضطر للعودة إلى الاستيراد في ظل زيادة الطلب الداخلي وتهالك جزء من البنية التحتية.
خريطة المصافي الإيرانية
تمتلك إيران تسع مصاف نفطية رئيسية بالإضافة إلى مصفاة كبرى للغاز المكثف، وتبلغ الطاقة التكريرية الإجمالية ما يقارب 2.4 مليون برميل يومياً، تستخدم لتلبية الطلب المحلي وتصدير المشتقات النفطية، غير أن متوسط عمر هذه المصافي يصل إلى 47 عاما، ما يجعلها أكثر عرضة للأضرار حال تعرضها لهجمات.
1- مصفاة نفط آبادان: تقع في خوزستان، جنوب غرب إيران، طاقتها الإنتاجية تبلغ 520 ألف برميل يومياً، وهي أول مصفاة في الشرق الأوسط، تأسست عام 1913، وتعد أكبر مصافي البلاد وأكثرها رمزية.
2- مصفاة نفط أصفهان تقع وسط إيران، تبلغ طاقتها الإنتاجية 375 ألف برميل يومياً، وهي مركز رئيسي لتوزيع الوقود في قلب إيران الصناعي.
3- مصفاة نفط بندر عباس، تقع في جنوب إيران على الخليج، تبلغ طاقتها الإنتاجية350 ألف برميل يومياً ، وتغطي نحو 18% من احتياجات إيران النفطية.
4- مصفاة شازند (أراك) تقع في محافظة مركزي، وسط البلاد، طاقتها الإنتاجية 300 ألف برميل يومياً، وتعتبر من أحدث المصافي تقنياً، وتزود مناطق واسعة بالوقود الصناعي.
5- مصفاة طهران: تقع في جنوب العاصمة، طاقتها الإنتاجية 235 ألف برميل يومياً، مقسمة إلى وحدتين وتخدم الشمال والوسط الإيراني.
6- مصفاة تبريز: تقع شمال غرب البلاد، طاقتها الإنتاجية 110 آلاف برميل يومياً، وهي أساسية في تغطية احتياجات منطقة أذربيجان الإيرانية
7- مصفاة شيراز: تقع في جنوب إيران، طاقتها الإنتاجية 60 ألف برميل يومياً، وهي مصفاة متوسطة الحجم تعمل على دعم استهلاك المناطق الجنوبية.
8- مصفاة لاوان: تقع في جزيرة لاوان، هرمزغان، طاقتها الإنتاجية 55 ألف برميل يومياً، قربها من الخليج يمنحها موقعاً استراتيجياً حساساً.
9- مصفاة كرمانشاه: تقع غرب البلاد، قرب العراق، طاقتها الإنتاجية 25 ألف برميل يومياً، وهي من أقدم المصافي (تأسست 1922)، لكنها الأصغر في البلاد.
المصفاة العاشرة وهي ستارة الخليج الفارسي – قوة الغاز المكثف، أنشأت إيران في 2006 مصفاة ضخمة لمعالجة المكثفات الغازية، وهي مصفاة ستارة الخليج الفارسي تقع في جنوب إيران، وتبلغ الطاقة الإنتاجية 455 ألف برميل يومياً (35 مليون لتر بنزين أوكتان 95، و14 مليون لتر ديزل، و4 ملايين لتر غاز مسال، و3 ملايين لتر وقود طائرات).
الطاقة كأداة ردع
يدرك صناع القرار في طهران وتل أبيب أن قطاع الطاقة ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل هو أداة ردع وضغط بامتياز، فالضربات الإسرائيلية الأخيرة لم تقتصر على أهداف عسكرية أو نووية، بل شملت مرافق مثل حقل بارس الجنوبي ومخازن الوقود في العاصمة، وهو ما اعتبرته طهران تصعيداً خطيراً يمس البنية التحتية الحيوية، ورغم أن وزارة النفط الإيرانية نفت تعرض مصفاة طهران لهجوم مباشر، وأكدت استمرار العمليات التشغيلية، إلا أن الحريق الذي اندلع في خزانات قريبة من المصفاة أظهر هشاشة أمن الطاقة في قلب العاصمة.
السوق العالمية والنفط الإيراني
ينتج الاقتصاد الإيراني حالياً 3.3 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، وتعتبر صادراته إلى الصين ركيزة أساسية في تمويل الخزينة الإيرانية، خصوصاً أن الصين تشتري كميات كبيرة بأسعار مخفضة رغم العقوبات، وتظهر بيانات شركة “Kpler” أن صادرات إيران بلغت في مايو/أيار نحو 1.8 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى منذ فرض العقوبات الأميركية المشددة في 2018 (Reuters).
ومع ذلك، فإن نحو 90% من صادرات النفط الإيراني تمر عبر جزيرة خرج، ما يجعلها هدفا استراتيجيا محتملا في أي تصعيد عسكري، كما أن الاعتماد الكلي على الاستهلاك الداخلي في قطاع الغاز، نتيجة غياب البنية التحتية للتصدير يقلل من فاعلية الغاز كأداة جيوسياسية مقارنة بالنفط.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء التصعيد الأخير، فإن استهداف منشآت التكرير والتصدير في إيران لم يعد مجرد احتمال نظري، بل تحول إلى سيناريو قابل للتحقق، ومع محدودية الطاقة الفائضة لدى دول “أوبك” – والتي تقدر بـ 3 ملايين برميل يومياً – فإن ضربة واسعة للبنية التحتية الإيرانية قد تحدث اهتزازات حادة في السوق النفطية العالمية، التي تعاني أصلا من هشاشة في التوازنات بفعل الأزمات الجيوسياسية المتكررة.
ويجمع محللون على أن أي عملية عسكرية موسعة على مصافي إيران ستكون مقامرة مكلفة لكل من واشنطن وتل أبيب، لما لها من انعكاسات فورية على أسعار الطاقة والتجارة العالمية، وقد تؤدي إلى سلسلة ردود إقليمية يصعب احتواؤها.
ومن الواضح أن المصافي الإيرانية لم تعد فقط منشآت إنتاجية، بل تحوّلت إلى رموز استراتيجية ذات طابع سياسي وأمني، وفي وقت تتصاعد فيه التهديدات وتتعاظم المخاطر، يبقى السؤال معلقاً: هل تستطيع طهران الحفاظ على صمامات الطاقة من الانفجار؟ أم أن اللهيب السياسي سيطال قلب الاقتصاد الإيراني قبل أن يصل إلى منشآته النووية؟


































































































