إبراهيم مخلص الجهني- تفاصيل برس
في وقت يلف فيه الغموض على مستقبل الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل تصاعد غير مسبوق في المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، تلعب مصر اليوم دور المنقذ الإقليمي، حتى وإن كان الثمن باهظاً داخلياً.
ففي أعقاب إغلاق حقل “ليفياثان” البحري – شريان الغاز الإسرائيلي – وجهت القاهرة شحنات غاز طارئة إلى الأردن، بمعدل 100 مليون قدم مكعب يومياً، لتأمين تشغيل محطات الكهرباء الأردنية.
هذا التحرك الفوري جاء على الرغم من أن مصر نفسها تعاني من فجوة متفاقمة بين الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي – البالغ حاليا 4.2 مليار قدم مكعب يومياً – والطلب الذي تجاوز 6.2 مليار قدم مكعب، ويتوقع أن يلامس 7 مليارات قدم مكعب خلال شهور الصيف، بحسب بيانات رسمية.
أزمة عابرة للحدود
وبحسب مصادر حكومية من القاهرة وعمان، فإن الإمدادات المصرية ستستمر “حتى عودة الغاز الإسرائيلي”، دون تحديد أي جدول زمني، وتعكس هذه الخطوة من مصر بعداً سياسياً – إقليمياً لا يقل أهمية عن كونه اقتصادياً، حيث تحرص القاهرة على تثبيت أقدامها كلاعب محوري في معادلة الطاقة الإقليمية، حتى وإن كان ذلك على حساب الداخل.
الطوارئ القصوى
في المقابل، كان رد الفعل المحلي مصرياً على الأزمة سريعاً. أوقفت الحكومة المصرية إمدادات الغاز الطبيعي عن عدد من الصناعات، وعلى رأسها صناعة الحديد، وفعّلت خطط تشغيل محطات الكهرباء بمازوت وسولار، وسط استعدادات حثيثة لتطبيق سياسة “تخفيف الأحمال” (قطع الكهرباء بالتناوب)، والتي يسعى صانع القرار لتجنّبها خشية الغضب الشعبي، لكن دون ضمانات.
وقد كشف مستشار في وزارة الكهرباء عن تعليمات فورية لإعداد خطة طوارئ كاملة خلال 48 ساعة تشمل المناطق غير الاستراتيجية في حال تفاقم الوضع، وسط إشارات قوية بأن عودة انقطاعات الكهرباء قد تكون مسألة وقت فقط، ما لم تُستأنف الإمدادات الإسرائيلية أو تصل شحنات الغاز المسال الموعودة.
من مصدر إلى مستورد
مع انحدار إنتاج الغاز المحلي، تحولت مصر من مصدر نشط إلى مستورد فعلي، وتعتزم القاهرة استيراد ما بين 155 إلى 160 شحنة غاز مسال في عام 2025 وحده، في خطوة غير مسبوقة منذ إعادة اكتشاف حقل “ظهر”، وقد خصصت الحكومة ما يزيد عن 9.5 مليار دولار في موازنتها الجديدة لشراء الغاز والمازوت، مقابل 6 مليارات فقط تم إنفاقها في العام الجاري.
وتعكس هذه الأرقام تحوّلاً استراتيجياً خطيراً، مصر التي كانت تراهن على أن تكون مركزا إقليمياً لتصدير الطاقة، تجد نفسها الآن مرتهنة لتقلبات الإمداد والأسعار في سوق شديدة الاضطراب.
الأردن في قلب العاصفة
في عمان، يعتمد الأردن بشكل شبه كامل على الغاز الإسرائيلي لتغذية محطات الكهرباء، ومع توقف الضخ الإسرائيلي، تحولت مصر إلى شريان حياة مؤقت، بناء على اتفاقية أُبرمت في ديسمبر 2024، تستفيد بموجبها الأردن من وحدات الغاز والبنية التحتية المصرية، لكن السؤال المطروح بقوة في الأروقة الأردنية والمصرية على حد سواء، إلى متى يمكن لمصر أن تواصل ضخ الغاز في ظل أزمة داخلية خانقة؟ وما البديل إذا استمر توقف “ليفياثان”؟
صيف ساخن على كافة الجبهات
إذا كانت الحرب قد أغلقت بئر الغاز الإسرائيلي، فإن نتائجها تهدد بإشعال أسعار الطاقة، وضرب استقرار الشبكات الكهربائية، وربما تعميق الأزمات الاقتصادية في دول هشّة مالياً بالأساس، ففي مصر، يبدو المشهد ضبابيا، شحنات الغاز المسال قادمة، لكن أسعارها ترتفع بسرعة، ومحطات الكهرباء تعمل بكامل قدرتها، لكن الوقود البديل مكلف ونادر، والاحتياطات الاستراتيجية مفعلة، لكن الشتاء المقبل ليس بعيداً.
وفي الأردن، تعتمد الاستمرارية على تحالف الغاز العابر للحدود، الذي قد ينهار عند أول عاصفة، ما لم تُستأنف الإمدادات الإسرائيلية في أقرب وقت ممكن.
تعيش المنطقة لحظة تحول طاقي غير مسبوق، تتداخل فيها الحرب بالاقتصاد، والجغرافيا السياسية بالاحتياجات اليومية للمواطن، وما تفعله مصر اليوم من مد يد العون للأردن، هو في جوهره دفاع عن موقعها، ومراهنة على البقاء لاعباً أساسياً في سوق طاقة تتغير بسرعة النار في حقول الغاز.


































































































