بلال الخلف – تفاصيل برس
في تطور ميداني لافت يعكس تحولات استراتيجية في السياسة العسكرية الأميركية بسوريا، انسحبت القوات الأميركية مؤخرًا من قاعدتين إضافيتين في شمال شرق البلاد، هما “تل بيدر” و”الوزير” بمحافظة الحسكة، وفق ما رصدته وكالة “رويترز” خلال زيارة ميدانية نادرة، ما يرفع عدد القواعد التي أُخليت إلى أربع منذ مطلع العام، ويثير قلق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من واشنطن.
المشاهدات الميدانية أظهرت أن القاعدتين باتتا شبه مهجورتين، مع إزالة تجهيزات التحالف مثل الكاميرات، وتراخي الأسلاك الشائكة، فيما تتولى الآن وحدات محلية من قسد حمايتهما. حراس القاعدتين أكدوا مغادرة القوات الأميركية، دون تحديد التوقيت الدقيق، فيما رفضت وزارة الدفاع الأميركية التعليق على الحدث.
هذا التطور يمثل أول تأكيد صحفي مباشر على انسحاب القوات الأميركية من القاعدتين، ويأتي ضمن خطة تقليص تدريجي للوجود الأميركي أعلن عنها مؤخرًا، وتقضي بالاحتفاظ بقاعدة واحدة فقط من أصل ثماني قواعد كانت منتشرة في مناطق سيطرة قسد شمال شرق سوريا. وتشير التقديرات إلى نية خفض عدد الجنود من نحو 2000 إلى 500 فقط.
قلق كردي وتحذيرات من عودة داعش
القائد العام لقسد، مظلوم عبدي، وصف هذا الانسحاب بأنه “غير كافٍ” لاحتواء تهديد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي عاد إلى التحرك بشكل نشط في عدد من المناطق السورية، مستفيدًا من الفراغات الأمنية. عبدي، الذي تحدث من داخل قاعدة الشدادي، أشار إلى أن التنظيم كثف عملياته مؤخرًا في دمشق ومحيطها، بل واستولى على أسلحة من مستودعات النظام عقب انهياره، دون أن يقدم تفاصيل إضافية.
كما أوضح أن خلايا التنظيم عادت للظهور في محيط القواعد التي أُخليت مؤخرًا، لا سيما في دير الزور والرقة، وهما من أبرز معاقل داعش سابقًا. وفي شرق نهر الفرات، شن التنظيم سلسلة هجمات أودت بحياة عشرة من عناصر قسد، وتضمنت تفجير قوافل نفطية قرب مواقع عسكرية أميركية سابقة.
الخلفية: عقد من التواجد العسكري الأميركي في سوريا
دخلت القوات الأميركية إلى سوريا بشكل مباشر في عام 2015 ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش، والذي تشكل عام 2014 بقيادة واشنطن، وضم أكثر من 80 دولة. واعتمدت الاستراتيجية الأميركية بشكل أساسي على دعم قسد، التي تضم مقاتلين أكرادًا وعربًا، في عمليات استعادة الأراضي من قبضة التنظيم، خاصة في شمال وشرق البلاد.
إلا أن هذا التواجد ظل مثار جدل داخلي في الولايات المتحدة، لا سيما مع تغير الإدارات السياسية. ففي عام 2019، أعلن الرئيس دونالد ترامب بدء سحب جزئي للقوات، مع إبقاء بعض الوحدات لحماية المنشآت النفطية. ومنذ ذلك الحين، توالت خطوات الانسحاب بشكل غير منتظم، في ظل صراع النفوذ بين روسيا، إيران، وتركيا في شمال سوريا.
وفي ظل هذه التطورات، يخشى الأكراد أن يؤدي الانسحاب المتسارع إلى تقويض المكاسب التي تحققت على مدار سنوات من القتال ضد داعش، ويفتح المجال أمام التنظيم لإعادة تجميع قواه، خاصة مع عدم وجود بديل دولي يحل محل الوجود الأميركي في المنطقة.
صواريخ قرب القاعدة.. وتحديات مستمرة
وفي مؤشر على استمرار التهديدات، تعرضت قاعدة الشدادي التي يتواجد فيها الجنود الأميركيون لهجوم بثلاثة صواريخ إيرانية الصنع، أسقطتها أنظمة الدفاع الأميركية، وفق مصادر أمنية من قسد. ويأتي الهجوم بعد ساعات من انطلاق غارات إسرائيلية ضد أهداف إيرانية، ما يعكس تزايد احتمالات تشابك المسارات الأمنية في سوريا والمنطقة.
ختامًا، يبرز انسحاب القوات الأميركية من القواعد كتحول مفصلي في مسار الصراع السوري، ويطرح تساؤلات حاسمة عن مستقبل مناطق شمال شرق سوريا، والدور الذي ستلعبه القوى المحلية والدولية في منع عودة داعش، في وقت تتراجع فيه الضمانات الأميركية التي اعتمدت عليها قوات سوريا الديمقراطية طويلاً.


































































































