إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
في تحذير أممي شديد اللهجة، أعلنت ثلاث وكالات دولية – منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن سوريا تواجه موجة جفاف غير مسبوقة منذ عام 1989، تهدد بانهيار إنتاج المحاصيل، وعلى رأسها القمح، في واحدة من أسوأ الأزمات المناخية والغذائية التي تمر بها البلاد.
وبحسب التقديرات، أدى نقص الأمطار خلال موسم 2024-2025 إلى فشل شبه كامل في إنتاج القمح، مع عجز متوقع يبلغ نحو 2.73 مليون طن متري، وهو ما يعادل الاحتياج السنوي لأكثر من 16 مليون شخص، وتؤكد الأرقام الأممية أن أكثر من 14.5 مليون سوري يعانون حاليا من انعدام الأمن الغذائي، بينما يواجه ما لا يقل عن 5.4 ملايين منهم خطر الجوع المباشر.
تغيرات مناخية كارثية
أوضح الخبير الزراعي الدكتور عبد الرحمن قرنفلة لـ “تفاصيل برس” أن الجفاف الذي اجتاح سوريا هذا العام ليس مجرد حادث عرضي، بل هو نتيجة حتمية لتغيرات مناخية ناتجة عن أنشطة بشرية غير رشيدة مثل إزالة الغابات، وزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة، والاعتماد الكثيف على الوقود الأحفوري، مشيراً إلى أن المنطقة العربية مرشحة لارتفاع درجات الحرارة بمقدار خمس درجات مئوية بحلول عام 2100، ما سيؤدي إلى تسارع وتيرة التصحر، وانقراض أنواع نباتية وحيوانية، واختفاء مصادر مياه سطحية.
تقلب المناخ
وأشار قرنفلة أن البيانات الدولية أظهرت أن موجات الجفاف أصبحت أكثر تواتراً وشدة بنسبة تفوق 230% في بعض المناطق مقارنة بما كانت عليه قبل نصف قرن، ويحدث ذلك في ظل تراجع المناطق التي تشهد هطولاً مطرياً أعلى من المتوسط، مما يضعف فرص التوازن المناخي، ووفق تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، فإن صدمات الجفاف باتت تؤثر سلباً على النمو الاقتصادي وتدفع بمزيد من الناس نحو الفقر، خاصة في الدول النامية.
كفاءة إدارة المياه ضعيفة
خلال الموسم الحالي، انخفضت معدلات الأمطار بنسبة 70% عن المتوسط السنوي، إلى جانب اختلال التوزيع الزمني للهطول، مما أدى إلى تراجع كبير في إنتاج القمح والمحاصيل الأساسية الأخرى، وانتقد قرنفلة ضعف كفاءة إدارة الموارد المائية، مشيراً إلى أن أنظمة الري الحديثة تعاني من سوء الصيانة وضعف الخبرات الفنية، في حين تعد طرق الري التقليدية “كارثة بيئية” تستهلك كميات هائلة من المياه، ما يتطلب سياسات إلزامية لتقنيات الري الموفر، والحد من استنزاف المياه الجوفية.
خيارات للتكيف
رغم الأزمة، أشار قرنفلة إلى جهود المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد) في استنباط 87 صنفا من القمح المقاوم للجفاف، وتطوير تقنيات زراعة ذكية مناخياً تسهم في رفع كفاءة استخدام المياه وتقليل أثر التغير المناخي على المحاصيل، مبيناً أن الحكومة السورية سارعت لتخفيف الأثر على المزارعين عبر تحديد سعر مجزي للقمح (320 دولارا للطن)، إضافة إلى منحة مالية قدرها 120 دولار لكل طن يسلم للجهات الحكومية، ما يشكل محاولة لتعويض الخسائر وحث الفلاحين على الاستمرار بالزراعة.
المؤتمر الوطني ضرورة
طالب الخبير الزراعي عبد الرحمن قرنفلة بعقد مؤتمر وطني عاجل بعد موسم الحصاد، يضم كافة الجهات المعنية، لمراجعة مشاكل الزراعة وتسويق وتخزين القمح، ووضع خطة استراتيجية لإنقاذ الموسم القادم تشمل تحديد الأسعار وتوفير المستلزمات قبل بدء الزراعة، ورغم تراجع الإنتاج، يرى قرنفلة أن حدوث كارثة غذائية وشيكة في سوريا مستبعد حالياً، بسبب إجراءات التكيف المتاحة، ووجود خطط للاستيراد الحكومي لتأمين احتياجات الخبز، لكنه حذر من أن استمرار تدهور الوضع المناخي والإنتاجي سيؤدي إلى تبعات خطيرة على الاقتصاد والتنمية والأمن الغذائي خلال السنوات القادمة.
بالتالي الجفاف في سوريا ليس مجرد ظاهرة موسمية، بل مؤشر خطير على عمق أزمة المناخ العالمية وانعكاساتها على الأمن الغذائي والتنمية، ويعد الوضع الحالي جرس إنذار لصناع القرار، يدعو إلى إعادة هيكلة قطاع الزراعة والمياه في البلاد، وتكثيف التعاون الإقليمي والدولي لتأمين احتياجات ملايين السوريين.


































































































