علي الجاسم – خاص
رغم مرور قرابة سبعة أشهر على إعلان النصر في سوريا وسقوط النظام، ما زال ريف إدلب الجنوبي الشرقي يعيش على هامش هذا التحول التاريخي، في واقع يومي تهيمن عليه الفوضى الخدمية والانهيار المعيشي.
قرى مثل التمانعة، الخوين، أم جلال، السكيّات، تحتايا، والفرجة، ورغم خروجها من قبضة الحرب، لم تدخل بعد في طور الحياة، بل بقيت ساكنةً بين ركام المنازل وغياب الدولة والخدمات، فيما يتحمل الأهالي وحدهم عبء العودة ومحاولة الإعمار.
القطاع الصحي: مشفى وحيد وعيادة متنقلة بزيارة أسبوعية
افتُتح مؤخراً في قرية التح مشفى خاص للأمومة والأطفال، يعمل بطاقة استيعابية محدودة لا تواكب حجم الحاجة في المنطقة. في بلدة التمانعة، تقدم عيادة متنقلة خدماتها بزيارة واحدة أسبوعياً، في ظل نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، ما يترك السكان في مواجهة تحديات صحية كبيرة.
البنية التحتية: أنقاض وأمل مؤجل وبداية خجولة للكهرباء
حتى اللحظة، لم تُطلق أي عملية رسمية لإزالة الأنقاض أو إعادة تأهيل الشوارع والمنازل. الركام لا يزال يغلق الطرقات، ويمنع حركة العودة الطبيعية. ورغم أن الأهالي بدأوا بالعودة، فإن كثيرين منهم اضطروا إلى نصب خيام فوق أنقاض منازلهم المهدّمة، في انتظار ما يُفترض أن يكون جهودًا من لجان إعادة الإعمار، التي لم تبدأ بأي خطوة فعلية على الأرض.
في هذا السياق، قال السيد ضيف الله المر، رئيس اللجنة المجتمعية في قرية أم جلال والمناطق المحيطة: “بدأنا نشهد خطوات أولية لتوصيل الكهرباء في بعض القرى التابعة لمعرة النعمان، وهو أمر مهم جداً لتحسين الوضع المعيشي.
لكن يجب أن نكون صادقين، هذه البداية لا تزال خجولة ولا تلبي حاجة كل سكان المنطقة، خاصة في ظل استمرار غياب الدعم الرسمي الواسع وتأخر مشاريع إعادة الإعمار.
الأهالي ينتظرون تحركًا أسرع وأكثر جدية لتوفير الخدمات الأساسية التي تعدّ بحق أولوية بعد كل ما عانوه.
وأضاف على صعيد متصل، قامت فرق من الإدارة المحلية بزيارات ميدانية متكررة للاطلاع على حالة الأبنية والدمار، وتوثيق الأضرار عبر وضع أرقام احصائية تسلسلية، إلا أنها لم تقدم أي وعود واضحة بإعادة الإعمار في القريب العاجل، مما يثير قلق السكان ويعمق الإحباط لديهم.
المياه والخدمات الأخرى
لا تزال معظم القرى تعتمد على صهاريج مياه متنقلة لتلبية حاجات السكان، وسط غياب شبكات مياه عاملة، وارتفاع تكاليف المياه التي تضغط على ميزانيات العائلات العائدة. أما خدمات أخرى مثل الخبز والتعليم، فلا تزال في حالة شلل حاد.
أزمة الخبز مستمرة، مع قلة الأفران وندرة المواد الأساسية. الطحين المدعوم شبه معدوم، والنقل مكلف، ما يُجبر العائلات على تقليص استهلاكها اليومي أو الاعتماد على الخبز الجاف
عودة السكان.. والمخاطرة من أجل البقاء
مع تحقق الاستقرار الأمني النسبي، بدأ الأهالي يعودون، بدافع الأمل أو الاضطرار.
كثيرون منهم باعوا أراضٍ زراعية أو ممتلكات شخصية لتأمين مواد البناء وإعادة ترميم منازلهم بأبسط الإمكانيات. آخرون اكتفوا بخيمة على ركام منزلهم، على أمل أن تبدأ الدولة أو الجهات المسؤولة بإعادة الإعمار أو تقديم دعم مباشر للمتضررين.
تهديد الطبيعة المهملة: الأفاعي والعقارب
وسط الأنقاض، وانتشار النفايات وغياب المكافحة الصحية، تنتشر الأفاعي والعقارب بشكل لافت، خصوصًا في محيط البيوت المهجورة والمباني المتضررة. الإصابات تتكرر، ولا يوجد أمصال أو نقاط طبية مهيّأة، ما يجعل كل خطوة على الأرض محفوفة بالخطر في غياب أي تدخل وقائي.
بعد سبعة أشهر من سقوط النظام وإعلان النصر في سوريا، لا تزال مناطق ريف إدلب الجنوبي الشرقي تغرق في فراغ إداري وخدمي قاتل.
عادت الناس قبل أن تعود الدولة، وبنت خيامها قبل أن تتحرك الآليات، ودفعت من أرزاقها ما كان يجب أن يُغطيه الدعم الرسمي.
في الوقت الذي يُنتظر فيه من الجهات المدنية والمعنية أن تتحمّل مسؤوليتها، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن، مرة في الحرب، ومرة أخرى في السلام المتأخر.


































































































