بارعة جمعة – تفاصيل برس
ملامح حرب تجارية عالمية شاملة، قد تمتد لسنوات، بدت معالمها واضحة منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولاية رئاسية جديدة لعام 2028، وقد تأتي على ما تبقى من مكتسبات حقبة العولمة الاقتصادية، الممتدة منذ نهايات عقد الأربعينيات من القرن العشرين حتى الآن.
وترتبط ملامح التحول في الاقتصاد العالمي ببروز قضايا جديدة بدءاً بالتغير المناخي وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، التي تلعب دوراً واضحاً في رسم السياسات الاقتصادية العالمية.
توجهات الأنظمة السياسية
تتجه سياسات الدول الكبرى لربط السياسة بالاقتصاد، ضمن ممارسات تجارية ومالية مرتبطة بطبيعة الفاعلين في النظام الاقتصادي الدولي، ما يجعل العلاقة بين الأنظمة السياسية والاقتصاد تبدو معقدة ومتشابكة.
وباعتبار أن الاقتصاد مرآة النظام السياسي، فإنه يعكس توجهاته وأنماطه في قوانين السوق والملكية.. وغيرها، وعليه فإن النظام السياسي هو الذي يحدد مدى التطور في القطاعات الأساسية للدولة خاصة منها القطاعات الإنتاجية التي ترفد الدولة بالموارد المالية اللازمة لإنعاش القطاعات الخدمية الأخرى.
تحذيرات رسمية
تحت عنوان “الاقتصاد العالمي يشهد تغييرات عميقة”، أطلق رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ تحذيراته يوم الأربعاء من تصاعد وتيرة التوترات في التجارة العالمية خلال كلمة له في افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي في تيانجين (شمال شرق الصين).
ربط “لي” تحذيراته بارتباط نمو وازدهار الدول ببعضها، مع تزايد الاحتكاك في الاقتصاد والتجارة العالميين، في إشارة منه إلى الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي على شركائه التجاريين، والتي تستهدف المنتجات الصينية بشكل خاص.
تبعات اقتصادية
انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار، مع تأثيرات متفاوتة على مختلف الدول والقطاعات، هي أبرز تداعيات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، حتى في حال التوصل إلى اتفاق، قد تترك الحرب التجارية أثاراً طويلة الأجل على سلاسل التوريد العالمية وأنماط التجارة.
وعلى صعيد الدولتين، قد تواجه الولايات المتحدة ارتفاعاً بتكاليف المعيشة وزيادة تكاليف الإنتاج للشركات مع احتمالية فقدان بعض الوظائف، أما الصين.. ستواجه انخفاضاً بكمية الصادرات الى الولايات المتحدة، ما يؤثر على النمو الاقتصادي.
مُسببات الصراع
قبل الخوض بما ينتظر العالم من جراء الحرب التجارية الأمريكية الصينية، لا بد من معرفة أسباب قيام أمريكا بها.. والبحث في عوامل اتجاه الرئيس الأمريكي لمحاربة الصين اقتصادياً..
يتمثل الجزء الأساسي من الصراع لدى أمريكا ضمن مساعيها لإعادة بناء الطبقة العاملة والطبقة الوسطى في الولايات المتحدة لإعادة الصناعات التي غادرت البلاد باتجاه الصين وفيتنام والمكسيك نتيجةً لمسار العولمة، وبالتالي انتقال رأس المال إلى تلك البلدان، ما أدى إلى ما يُعرف بـ “تجويف الطبقة الوسطى”، و”تجويف القاعدة الصناعية” في الولايات المتحدة.
أدى الانخفاض الحاصل على أجور الطبقة الوسطى، وتقلص حجمها العددي الدافع الذي وقف خلف قيام دونالد ترامب بهذه الحرب التجارية.
ويرى الاقتصادي الأميركي جيفري ساكس أن الولايات المتحدة تُعاني من نوعٍ من العلاقة “العُصابية” مع الصين، كما أنها تسعى إلى منافستها، دون التطرق إلى مساعي الصين لبناء اقتصاد اشتراكي.
وهنا يمكننا القول، أن الحرب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة ليست موجهة ضد الصين فحسب، بل إنها تستهدف في جوهرها، حرباً ضد الاشتراكية.
حرب متعددة التأثير
تتجاوز المنافسة بين الصين والولايات المتحدة مسألة تبادل السلع أو الميزان التجاري، إلى السيطرة على مستقبل التكنولوجيا المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي إلى السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وسائر الصناعات الحديثة.
وأدى تصاعد التوترات التجارية إلى انخفاضات حادة في الأسواق المالية العالمية، كما أشارت العقود الآجلة الأمريكية إلى خسائر كبيرة مرتقبة، مع تراجع العقود الآجلة لمؤشر داو جونز بنسبة 2.2%، وعقود مؤشر S&P 500 بنسبة 2.1%، وناسداك 100 بنسبة 1.9%. وشهدت الأسواق الأوروبية والآسيوية أيضاً انخفاضات حادة، ما يعكس مخاوف المستثمرين بشأن التأثير المحتمل للحرب التجارية على النمو الاقتصادي العالمي.
بدورهم، لجأ المستثمرون إلى الأصول الآمنة، ما دفع أسعار الذهب للارتفاع بقوة نتيجة زيادة الطلب، بالإضافة إلى مراقبة أي تصعيدات إضافية محتملة وتداعياتها على استقرار الاقتصاد العالمي.
ويحذر الاقتصاديون من احتمال حدوث ركود عالمي إذا استمرت الحرب التجارية في التصاعد، ومن المتوقع تراجع الاستثمار في قطاع الأعمال، وهي عوامل يمكن أن تسهم بشكل كبير في تباطؤ اقتصادي عالمي.
مبادرات وحلول
وأدى النزاع التجاري، إلى جانب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اضطراب سلاسل التوريد وزعزعة استقرار الأسواق المالية وتأجيج المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي حاد.
وقال الرئيس الأميركي تعقيباً على فرضه رسوماً جمركية بنسبة 80% على السلع الصينية: ربما تتطلع الصين إلى الحصول على إعفاء لمدة 90 يوماً من الرسوم الجمركية مثل الذي منحته واشنطن لدول أخرى في أثناء إجراء المفاوضات، في حين سينظر المستثمرون بإيجابية لأي نوع من خفض الرسوم الجمركية والمحادثات القادمة.
وفي وقت سابق، رحبت المديرة العامة للمنظمة بمحادثات جنيف، باعتبارها “خطوة إيجابية وبناءة نحو التهدئة”، داعية إلى حوار مستدام بين أكبر اقتصادين في العالم.
وفي السياق ذاته.. نظم منتدى البدائل العربي للدراسات، بالتعاون مع موقع “صفر”، ندوة بعنوان “الحرب التجارية الأميركية – الصينية وتأثيراتها على العالم والمنطقة العربية”، سلطت الضوء على التوترات المتصاعدة في النظام التجاري العالمي في ظل السياسات الحمائية التي تبنتها الإدارة الأميركية، خصوصاً في خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، والتي شكلت تحولاً جذرياً في العلاقات التجارية الدولية، كما أطلقت شرارة حرب تجاريةٍ عالمية طالت أكثر من 85 دولة، من بينها دول المنطقة العربية.


































































































