حوار أعدته مراسلة تفاصيل برس حلا طه
في حوار خاص مع تفاصيل برس، يسلّط الباحث السياسي مهند الشالاتي الضوء على دور الشباب في مستقبل سوريا، وتحديات المرحلة الانتقالية، وسبل تجاوز الانقسامات المجتمعية.
ونتناول في الحوار ملفات حساسة مثل التعليم، والعدالة الانتقالية، وأزمة اللاجئين، مع التأكيد على أهمية إشراك كل فئات المجتمع في بناء الدولة، ضمن رؤية واضحة تُطرح لمستقبل سوري يتسم بالعدالة، والمواطنة، والشراكة الوطنية الفاعلة، نترككم مع ما جرى خلال الحوار:
1. ما الدور الذي يجب أن يلعبه الشباب في المرحلة الانتقالية وفي إدارة الدولة لاحقاً؟
يلعب الشباب دورًا أساسيًا في المراحل المفصلية من تاريخ أي بلد، فهم القوة المنتجة الرئيسة في المجتمع، خصوصًا النخب الأكاديمية والعلمية. هؤلاء يُعوّل عليهم في بناء الدولة وإدارتها، وعلى السلطة أن تتيح لهم الفرصة ليكونوا أدوات فاعلة في البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
سيكون دورهم محوريًا عبر المساهمة في الإدارة والتنظيم، وفي المجالات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني. لكن الأمر يتطلب أيضًا تهيئة الشباب سياسيًا، وتزويدهم بالثقافة السياسية بعد عقود من التغييب واللامبالاة التي فرضها نظام البعث.
وحسب حديثه، الشباب السوري قادر على بناء وطنه، شريطة أن تملك السلطة الانتقالية الرغبة في تمكين الكفاءات لا الولاءات، وإلا فسنعيد أخطاء النظام السابق بطريقة منهجية.
2. هل تؤمن بدور الأحزاب في مستقبل سوريا؟ وما شروطك لنجاح تجربة حزبية سليمة؟
بالتأكيد، فالأحزاب السياسية ضرورية لبناء دولة ديمقراطية، كونها تؤطر المواطنين وتنظمهم سياسيًا، وتسهم في تنشئتهم السياسية.
لنجاح التجربة الحزبية في سوريا، يجب أن يتوافر وعي سياسي حقيقي لدى المواطنين والسلطة، وأن يتم الإيمان بالتداول السلمي للسلطة، وبضرورة الفصل بين الدولة والسلطة في الوعي الجمعي والدستور.
من المهم أن تُمنع المؤسسات التي كان لها دور سلبي سابقًا، مثل الجيش، من التدخل في السياسة. فالدولة يجب ألا ترتبط بالحزب الحاكم، ويجب أن تكون مؤسساتها ثابتة لا تنهار برحيل حزب أو رئيس.
3. هل تعتقد أن المجتمع السوري قادر على تجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية؟ وكيف يمكن تعزيز الانتماء الوطني؟
الانقسامات الطائفية والمناطقية هي إرث ثقيل تركه نظام البعث، ولا يمكن معالجتها إلا من خلال سلطة تتبنى رؤية وطنية قائمة على المواطنة والعدالة والحقوق.
المجتمع السوري، المُغيّب منذ ستة عقود، لا يملك وحده الأدوات الكافية لمعالجة هذه الانقسامات، وإن كان لبعض القوى الاجتماعية دور جزئي في الترميم.
الدور الرئيس يقع على السلطة في تفعيل القانون وسن التشريعات الحامية للناس على اختلاف انتماءاتهم.
أخطر من الانقسامات الطائفية حاليًا هي الانقسامات المناطقية والمذهبية، وخصوصًا في دمشق وحلب، المدينتين اللتين تمثلان حجر الأساس في الاقتصاد والسياسة السورية.
تعزيز الانتماء الوطني يبدأ بإشراك الناس في إدارة شؤونهم المحلية والشعور بأنهم جزء أساسي من الدولة. كما تلعب الثقافة والفن والدراما والتعليم والإعلام دورًا محوريًا، لذا أنصح السلطة الجديدة بدعم الدراما كوسيلة لإعادة ترميم الهوية الوطنية.
4. ما هي أبرز التحديات التي ستواجه سوريا في المرحلة القادمة؟
التحديات عديدة ومتداخلة، منها:
السياسة الخارجية: قضية الجولان والعلاقات السورية الإسرائيلية والتوغلات المتكررة، وكلها تمس السيادة وتؤثر على الأمن القومي.
السياسة الداخلية: مسألة التمثيل السياسي، وصعود الزعامات الطائفية والقومية، وانتشار التيارات الراديكالية، مع تفشي السلاح غير الشرعي.
الجانب الاقتصادي: الاستثمار يمثل تحديًا حساسًا، يتطلب تشريعات تحمي المستثمر والدولة، وتحقيق الأمن والحريات، خاصة في السياحة.
التعليمي: هناك حاجة لاستراتيجيات جديدة لمواجهة تسرب الأطفال من المدارس، خاصة في المخيمات.
الاجتماعي: بروز الثقافات والهويات الفرعية يمثل تحديًا في بلد متنوع. نحن بحاجة لهوية وطنية جامعة.
الثقافي: يجب إعادة تمكين المثقفين والنخب لقيادة المجتمعات، فكلما غابوا زاد العنف والصدامات.
5. كيف ترى ملف العدالة الانتقالية؟ وهل ترى ضرورة لمحاسبة رموز النظام؟
العدالة الانتقالية ملف حساس لكنه ضروري. لا يمكن تحقيق السلم الأهلي دون محاسبة رموز النظام الذين ارتكبوا جرائم حرب.
يجب تسريع هذا الملف ضمن إطار قانوني يضمن العدالة ويمنع الانتقام العشوائي.
كما يشمل هذا الملف محاسبة عناصر داعش، وعزل البعثيين، وفصل البعثات الدبلوماسية في الخارج التي روّجت لرواية النظام. فبعض هؤلاء يملكون علاقات قد تؤثر سلبًا على الدولة السورية الناشئة.
ملف العدالة الانتقالية هو ملف شائك وهو متعلق بالسلم الأهلي وأمن البلاد، لكن هذا الملف ضروري فلا سلم أهلي من دون معاقبة المجرمين من رموز النظام الذين ارتكبوا جرائم حرب.
ويرى بأنه على السلطة أن تسرع به وأن لا تسمح بالانتقام العشوائي بعيدا عن سلطة الدولة والقضاء والقانون، وكما هو معروف للجميع أن ملف العدالة الانتقالية يشمل عناصر داعش اللذين قتلوا عدد كبير من السوريين وقاموا بارتكاب انتهاكات ممنهجة ضد الشعب السوري.
ويضيف، بأنه لا يمكننا التغاضي في نفس الوقت أن العدالة تشمل عزل البعثيين وفصل كل البعثات الدبلوماسية في الخارج لما لعبوه من ادوار ساهمت بترويج روايات النظام والتحريض على الشعب السوري الثائر، فهؤلاء لديهم علاقات مع الدبلوماسيين الغربيين ويمكن أن يلعبوا أدوار سلبية ضد الدولة السورية الناشئة.
6. كيف يمكن معالجة أزمة التعليم؟
أزمة التعليم هي حالة ليست منفصلة عن الأزمة السياسية التي مرت بها سوريا بعد الثورة، فهي نتاج أزمة اكبر ومعالجتها مفترض أنها بدأت بعد سقوط النظام.
وحسب حديثه، يمكن البدء بإحصاء عدد الأطفال في المخيمات والداخل، والتعاون مع المنظمات الدولية لإعادة إعمار المدارس وتعزيز التعاون الإجتماعي لبناء المدارس عبر باب التبرعات، وإدخال مناهج جديدة غير مأدلجة تسمح للطالب بتحريض عقولهم على التفكير والإبداع والقيام بعمليات عقلية ومنطقية بدون تلقين تقليدي ومناهج باهتة تكرس حالة التقوقع لدى الطالب وتصحر عقولهم.
وعلى الصعيد الجامعي، يمكن تشجيع الشباب على العودة إلى دراستهم وتشجيعهم ببرامج لا تؤثر على عملهم في ظل الواقع الاقتصادي الصعب، وأيضا تغيير المناهج مهم في هذه المرحلة الجامعية.
ويقترح بإدخال شهادة ثقافية تعادل مرحلة التعليم الأساسي أو الثانوي، للكبار بالعمر أو المنقطعين عن الدراسة تعطي عدة مواد في 6 أشهر أو 9 أشهر بما له من أثر على الحالة الثقافية في البلاد.
ويتابع، أهم من هذا كله فإن أول خطوة في علاج ازمة التعليم هو المعلم الذي هو الأساس في بناء الأجيال في الدول المتقدمة وإعطائه حقوقه ورواتب كبيرة حتى يعطي كل ما لديه من طاقة في العملية التعليمية.
كما يقترح، بتغيير ألوان جدران المدارس والصفوف وهذا اللون البني المقيت بما له من ارتباط بمرحلة البعث والدكتاتورية، وأيضا الإعلان عن جوائز تعليمية للمتفوقين وإنشاء (لجنة المبدعين) تقوم بانتقاء المواهب في المدارس السورية سواء بالرياضة أو الرسم أو الفن أو الموسيقى أو التمثيل أو العلوم أو الفلسفة أو أي مجال من المواد الموجودة ودعمهم وتقديم المنح المادية لهم والتسهيلات.
7. ما هو الحل لأزمة النزوح واللاجئين؟
حل أزمة اللاجئين يبدأ بتوفير الأمن، وتطبيق سيادة القانون، والبدء بإعمار المدن المدمرة.
كما يجب توفير الدعم النفسي والمادي والمعنوي، وخلق فرص عمل، ما يتطلب خطة وطنية شاملة وبرامج حكومية متكاملة.
أزمة اللاجئين هي أزمة دولية قبل أن تكون أزمة داخلية وحلها يحتاج تعزيز الأمن والأمان وسيادة القانون والبدء بإعادة الإعمار للمدن المدمرة كأولوية وتقديم الدعم النفسي والمادي والمعنوي لهم وإيجاد فرص عمل لهم.
ما سبق مرتبط بانتعاش الاقتصاد، فنحن أمام مجموعة مترابطة من العوامل المؤثرة في عودة أمنة للاجئين، كما أن هذا بحاجة لخطط وطنية وبرامج كبيرة تقرها الحكومة وتعمل عليها.
8. ما رسالتك للشباب السوري اليوم؟
رسالتي للشباب السوري، أن يكونوا على أرض الواقع وأن يؤمنوا أن المستقبل لهم وبهم، وأن يبتعدوا عن العنف والمخدرات والطائفية والاصطفافات الضيقة، ويمارسوا أدوارهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بكل وطنية وفخر وأن يؤمنوا بالحوار وتقبل الآخر حتى تتمكن بلادنا من الانتقال من شبه بلد في ظل نظام بائد دمر الشباب ودورهم إلى بلد عظيم آمن يفتخرون به ويورثونه لأبنائهم وأحفادهم من بعدهم.
9. كيف يمكن للشباب أن يكونوا جزءًا من الحل لا من الصراع؟
يمكن للشباب أن يكونوا جزءا من الحل عندما لا يتم تهميشهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة ومتطلبات حياة كثيرة ومرهقة، فالشباب هم عماد الثورات، مشكلات الشباب ليس عند الشباب نفسهم بل عند السلطة، فهي أما أن تجعلهم أعداء لها أو أصدقاء لها وهذا يتوقف على إعطائهم حقوقهم وفرصهم المستحقة أو لا.
وحسب حديثه، لا يمكننا انتظار وعي شبابي في بلد مزقته الحرب بعد الثورة، كل ما يخص الشباب هو مسؤولية الحكومة واستيعابهم يجب أن يكون هدفها وإلا سنكون أمام حالة من التمرد والمعارضة التي لا أعتقد أن الحكومة بحاجتها في هذا الوقت الحساس من تاريخ البلاد.
ويضيف، يجب التعامل مع العنصر الشبابي كشريك وليس كعبء كمواطن وليس كمحكوم كمنتج وليس كمستهلك فالشباب اليوم بأمس الحاجة للإيمان بهم وبقدراتهم، لا تصنعوا من الشباب أعداء للسلطة، لقد رأينا تهميش واضح للكفاءات هذا سيخلق حالة من عدم العدالة.
10. ما التحديات التي تواجه مدينة دمشق؟ ولماذا يعد إشراك المجتمع الدمشقي في الدولة ضروريًا؟
دمشق هي مركز الحضارة السورية ويعوّل أن تلعب دورا كبيرا بمستقبل البلاد، فهي العاصمة والنموذج الأصغر لسورية المتنوعة، كما يعوّل على المجتمع الدمشقي كثيرا في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي فأي عملية تهميش ستؤدي إلى نتائج سلبية كارثية.
يضيف، إياكم والمزايدات فهي ستخلق حالة من العداوة المبطنة ستنمو اكثر فاكثر مع الوقت، خلو مؤسسات الدولة من أبناء دمشق على الأقل على مستوى مؤسسة محافظة دمشق يعني أن الهوة بين السلطة الانتقالية وأبناء المدينة أصبحت واسعة وهذا مؤشر خطير يمكننا تجنبه بعدة إجراءات.
ويتابع حديثه، تعاني دمشق منذ 1963 من سيطرة البعث حتى اليوم من واقع سيء جدا، أتمنى على الحكومة فك الاستملاك عن أراضيهم المسلوبة والبدء بخطط سكنية وتوسعية في المدينة التي تعاني ضغطا كبيرا منذ عشرات السنين، المجتمع الدمشقي مجتمع أصيل في تاريخ سورية وعلى الحكومة أن تكسب هذا المجتمع في عملية بناء الدولة وإعادة الإعمار.


































































































