حلا طه (اللاذقية) – تفاصيل برس
في ركن مطل على المتوسط، حيث كان نسيم البحر يداعب جبال الخضرة في صباحات اللاذقية، لم تعد الشجرة تغني ولا البحر يواسي، منذ عقود، تعيش محافظة اللاذقية مظلومية مركبة، تخنقها قبضةٌ أمنية من جهة، وخراب بيئي من جهة أخرى، حتى بدا وكأنها تئن بصمت لم يسمعه أحد.
منذ أن صعد حافظ الأسد إلى سدة الحكم، كانت اللاذقية أحد أعمدة سلطته الأمنية، لكنّها في الواقع بقيت رهينة لفساد ممنهج، تمثل بتهميش تنموي مقصود، واحتكار للثروات من قبل زمرة محدودة مرتبطة بالسلطة.
لم تستفد المدينة من القرب الجغرافي من القصر الجمهوري، بل تحوّلت إلى ساحة نفوذ لأجهزة الأمن، وتجار الحروب، ونافذين اغتالوا حتى أحلام البسطاء.
ذكريات أحرقتها النيران
“كنا نحلم بسياحة، بجامعات، بمستشفيات. لكنهم تركونا للحشيش والسلاح والفقر”، يقول العم نبيه، مزارع ستيني من قرى البسّيط، وهو ينظر إلى بستانه المحروق: “زرعت هالأرض وأنا شاب، كبرت الشجر وكبروا ولادي تحتها.. بيوم وليلة صارت كلها رماد.. حاولنا نطفّي بإيدينا، بأغصان الشجر، بالمي اللي معنا، بس النار كانت أسرع من الكل”.
يصمت لحظة ثم ينظر إلى الرماد، ويتابع بصوت متهدّج: “ما خسرت شجر حسّيت إني خسرت عمري”.
في السنوات الأخيرة، لم تعد المأساة سياسية فقط، بل بيئية أيضًا، اللاذقية التي كانت يوماً تُلقب بـ”الخضراء”، باتت أرضاً سوداء من رماد، حرائق ضخمة على مدى سنوات طويلة، مجهولة الأسباب، أكلت آلاف الدونمات من الغابات والبساتين، بينما بقيت مؤسسات الدولة تتفرج أو تتلكأ أو تبرّر.
شجاعة نادرة
“كأنّ الأشجار تعاقبنا على صمتنا”، تهمس سارة، طالبة جامعية من المدينة، وهي تنظر إلى الهضاب المحروقة في الريف الشمالي، “لم يبقَ شيءٌ نتمسك به، لا هواء، لا أمل، ولا حتى ظل شجرة”.
تضيف سارة، وسط ألسنة اللهب التي حاصرت الجبال والقرى، وقف عناصر الدفاع المدني بشجاعة نادرة، لخمسة أيام لم يغمض لهم جفن، خاضوا معركة النار بوسائل متواضعة وقلوبٍ لا تعرف الاستسلام.
تتابع، لم يكونوا وحدهم، فقد وقف الأهالي إلى جانبهم، يحملون خراطيم المياه، ويملؤون الدلاء، ويكافحون الحريق بأيديهم وبقلوبهم التي تأبى أن ترى أرضهم تحترق، كانت تلك اللحظات صورة نادرة من التضامن، حيث امتزج العرق بالدخان، والإرادة بالنار، في معركة حياة ضد لهب لا يرحم.


































































































