ابراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
في تطور يعتبر الأبرز منذ سنوات، كشف حاكم مصرف سوريا المركزي، عن مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى دمجه في المنظومة المالية العالمية، بعد أكثر من عقد من العقوبات الاقتصادية.
هوية نقدية
بين الحاكم أن المصرف يجرى دراسة لإصدار عملة جديدة تحمل هوية بصرية تعكس مرحلة التعافي، وفي هذا الصدد، أكد الدكتور عبد الرحمن محمد، نائب عميد كلية الاقتصاد بجامعة حماة في حديثة لـ “تفاصيل برس” أن إصدار عملة جديدة يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا ترافقت مع إصلاحات هيكلية، لكنه يحمل مخاطر في حال طُرح في سوق غير مستقرة أو وسط تضخم مرتفع.
ويتفق معه الدكتور عباس رشيد كعده، الباحث في الشؤون الاقتصادية، قائلاً في تصريحه لـ “تفاصيل برس”: أن نجاحها مرتبط بمدى توافر إطار مؤسسي قادر على دعم الاستقرار المالي، وبتناغم السياسات النقديّة مع الواقع الإنتاجي والتمويلي، فالعملة الجديدة لا تعني بالضرورة معالجة المشكلة إن لم تترافق مع ضبط للكتلة النقديّة وشفافية في إدارة السيولة.
المصارف إلى المسرح الدولي
من أهم ما كشفه حاكم المصرف هو التسارع في وتيرة الاتفاقات مع البنوك المراسلة بعد رفع العقوبات عن القطاع المصرفي، ما يشكل المرحلة الأولى من إعادة الدمج في النظام العالمي.
وعلق الدكتور كعده علق على هذه التطورات قائلاً: أن إعادة دمج النظام المصرفي في المنظومة المالية العالمية يتطلب تحقق معايير دقيقة للامتثال المالي والشفافية في البيانات، وتحسين آليات الرقابة، وهو ما يحتاج وقت وتعاون متدرج.
ومن جهته الدكتور محمد قال: أن هناك إمكانية لإعادة الدمج، خاصة مع رفع العقوبات، لكن تبقى العقبات قائمة مثل عدم استقرار الوضع الأمني، وضعف البنية التحتية المالية، ووجود مخاوف من الفساد وعدم الشفافية، وهذه العوامل قد تعيق جذب الاستثمارات الأجنبية.
الاستثمار المصرفي الأجنبي
كما بيّن الدكتور عبد الرحمن محمد إن جذب المصارف الأوروبية ممكن لكنه يحتاج إلى بيئة تشريعية موثوقة، وتحسين مستوى الحوكمة، وتقديم ضمانات قانونية قوية للمستثمرين.
وبدوره الدكتور كعدة أكد توفر فرص محدودة يمكن استثمارها في مراحل مبدئيّة عبر شراكات متخصّصة، وتركز على التكنولوجيا المالية والبنى التحتيّة الرقمية، مع ضرورة توفير بيئة تشريعية واضحة ودعم موازن يخفف المخاطر ويحفز المشاركة تدريجي.
استقلالية المصرف المركزي
ويؤكد الدكتور كعده أن استقلالية المصرف المركزي ركيزة أساسية لتنفيذ سياسة نقديّة متوازنة وفعالة، وتحتاج إلى تطوير الهياكل المؤسسية وتعزيز قدرة الرقابة، إلى جانب التنسيق بين السياسات النقدية والمالية، لتحقيق الانضباط المالي وضبط إصدار النقد بما يتناسب مع الاحتياجات الحقيقية للاقتصاد.
كما أوضح الدكتور محمد أن المصرف المركزي يحتاج إلى تعزيز استقلاليته من خلال تعديل القوانين وتطبيق أفضل الممارسات الدولية، مؤكداً أن تحقيق هذا الهدف يتطلب بناء قدرات مؤسساتية وتطوير نظام رقابي فعال لضمان تنفيذ سياسة نقدية مستقلة وفعالة.
إلغاء تقييد الكاش
وأكد الدكتور عبد الرحمن محمد إن إلغاء سياسات تقييد الكاش خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة في النظام المصرفي وتحفيز النشاط الاقتصادي، منوهاً أن ذلك يجب أن يتم بحذر لتجنب زيادة التضخم أو تدهور استقرار السوق النقدي.
كما لفت كعده إلى أن إلغاء سياسات تقييد السحب النقدي، ينبغي أن تتم تدريجياً مع تعزيز البدائل الرقمية لعمليات الدفع، وتطوير ثقة المواطنين بالنظام المصرفي عبر تحسين الخدمات والشفافية، لتجنب التراجع إلى الاقتصاد غير الرسمي أو التوسع في التداول النقدي غير المنظم.
الحسابات المجمدة
وفي ذات السياق رأى كعده بأن استعادة الحسابات المجمدة تمثل دعم هام للاحتياطات، لكنها تظل جزء من منظومة أوسع لإدارة السياسة النقديّة، إدارتها بحكمة تتيح توجيهها نحو تمويل القطاعات الإنتاجية واستقرار منظومة الدفع، بدل الاعتماد عليها لتثبيت سعر الصرف بشكل مباشر.
فيما قال محمد: إن استعادة الحسابات المجمدة ستعزز احتياطيات المصرف المركزي، مما قد يساعد في دعم سعر الصرف، ومع ذلك، يجب أن يتم استخدام هذه الأموال بحذر لضمان عدم حدوث تضخم أو عدم استقرار في السوق.
طريق طويل لكن؟
وكان حاكم المركزي قد عبر عن تفاؤل حذر بمستقبل الاقتصاد السوري، قائلاً: نحن للمرة الأولى منذ عام 1958 نتخلص من المنطلقات النظرية والمنظومة الاشتراكية لصالح اقتصاد حر ودور ذكي للدولة، وقد لخص الدكتور عبدالرحمن محمد المشهد بقوله: الخطط المطروحة طموحة وواقعية في آن، لكنها تصطدم بتحديات كبيرة تتطلب تعاون فعلي بين الحكومة والمصرف المركزي، وتحديث للبيئة السياسية والقانونية.
أما الدكتور عباس كعده، فيختم حديثه قائلاً: أن تحقيق استقرار نقدي مستدام مسألة معقدة تتطلب إدارة دقيقة بين الفرص والقيود، فالخطوات الحالية تفتح آفاقاً، لكن نجاحها مرتبط بمدى قدرة النظام المالي على التكيّف، وبناء مؤسسات قوية تدير السيولة والاحتياطيات بحكمة، ورفع العقوبات ودعم بعض الدول يهيّئان الظروف، لكن العمل الحقيقي يبدأ من الداخل، في بيئة توازن بين الضبط والمرونة، ويعزز فيها استقلالية المصرف المركزي لضمان سياسة نقدية فعّالة تستجيب لتحديات السوق وتطلعات المواطن


































































































