إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
في وقت تبرز فيه الحاجة لبناء جسور الثقة بين قطاع الأعمال والحكومة، وتتزايد تطلعات نحو إعادة وضع قواعد التعامل الضريبي في البلاد، نشرت وزارة المالية ملامح إصلاح ضريبي وصفها خبراء في الاقتصاد أنها توجه فكري أكثر من أنه نص قانوني.
وبين عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق في حديثه لـ “تفاصيل برس” أن هذه المرحلة هي نقلة فكرية في التوجه الحكومي نحو تنظيم العلاقة المالية مع المكلفين، مبيناً أن ما تم تقديمه حتى الآن لا يمكن وصفه بأنه النظام الضريبي الجديد بل هو تصور حكومي يرسم ملامح المرحلة المقبلة، ويؤسس لفهم جديد أكثر شفافية وقابلية للتطبيق.
تعزيز الثقة
ولفت الحلاق إلى أن الملامح الأولى تشكل محاولة حقيقية لتبسيط الإجراءات وتعزيز الثقة المتبادلة بين قطاع الأعمال والدوائر المالية، هذه الثقة التي سادها الكثير من التوتر في ظل بيئة تشريعية غير واضحة، وإجراءات معقدة ومسارات كانت في كثير من الأحيان تشكل مدخلاً لفساد يصعب تتبعه.
مشيراً إلى أن الوضع اليوم بدأ يتغير، لأن البدايات أصبحت أوضح، خصوصاً في التجارة والاستيراد، حيث باتت الفواتير الجمركية تستند إلى الوزن لا إلى القيمة، ما يقلل من مساحة التقديرات الشخصية ويفرض نمطاً واضحاً في آليات التحصيل.
الأمر اللافت في حديث عضو غرفة تجارة دمشق هو تأكيده على أن الدوائر المالية بدأت أخيراً تتفهم الحاجة إلى نظام ضريبي مبسط، قابل للفهم، والأهم من ذلك، قابل للتطبيق، فالكثير من الأزمات السابقة، برأيه، لم تكن بسبب وجود ضرائب مرتفعة بالضرورة، بل بسبب صعوبة فهمها وتشابك بداياتها ونهاياتها، وهو ما كان يخلق ثغرات تستخدم كقنوات للفساد.
إصلاح الرواتب
ومن النقاط التي يعتبرها الحلاق تطوراً نوعياً، أن النظام الجديد ينقل عبء الإثبات في الخلافات الضريبية إلى الدوائر المالية، لا إلى المكلف، وهو تحول قانوني مهم يعكس نضوجاً في التفكير الإداري ويعزز مناخ الثقة بين الطرفين، لكنه شدد على أن نجاح هذا التوجه يتطلب إصلاحاً موازياً داخل المؤسسات المالية نفسها، بدءاً من موضوع الرواتب إذ أنه من غير المنطقي أن يتقاضى مراقب الدخل راتباً لا يتجاوز المليون ونصف ليرة سورية، في وقت يتعامل فيه مع ملفات تحمل أرقام مالية ضخمة، معتبراً أن ضعف الرواتب يشكل خطراً على نزاهة العملية الضريبية، ويترك الباب مفتوحاُ أمام الإغراءات التي تفتك بثقة المكلف بالنظام الضريبي.
تحفظ شخصي
أما على صعيد نسب الضريبة وتوزيعها القطاعي، فيبدو أن عضو الغرفة لا يخفي تحفظه على النهج الثابت، ويرى أن النظام الضريبي يجب أن يقوم على شرائح متدرجة لا على نسب ثابتة، مشيراً إلى أن تحديد نسبة 10% للصناعة و15% للتجارة والخدمات لا يعكس بالضرورة التفاوت الطبيعي بين القطاعات من حيث الإيرادات وهامش الربح.
ورغم تحفظه، يقر الحلاق بأن هناك توجه عملي لتجربة هذه النسب، وهو يؤمن بأن التقييم يجب أن يتم بناء على التطبيق الفعلي، قائلاً: “دعنا نمشي بهذا النظام، وإذا تطلب الأمر تعديلًا فسنقوم به لاحقاً، المهم أن تكون هناك مرونة تشريعية تتيح التعديل عند الضرورة”.
ويضيف أن كثير من مطالب غرفة التجارة التي كانت مقترحات منذ سنوات أصبحت اليوم على الطاولة، وبعضها تجسد في الملامح المقترحة، خصوصاً فيما يتعلق بالإعفاءات وتوحيد الإجراءات وتحديد الحد الأدنى المعفى من الضريبة وهذا بحد ذاته مؤشر إيجابي.
في المجمل، يبدو أن قطاع الأعمال السوري ينظر إلى ملامح النظام الجديد كفرصة لإعادة رسم العلاقة بينه وبين الحكومة على أسس أوضح، لكن الحلاق يحذر من أن أي إصلاح نظري لا يمكن أن ينجح إذا لم يرافقه إصلاح إداري داخلي، وهيكلة عادلة للرواتب، وتحديث حقيقي لبيئة العمل داخل الدوائر المالية، بالتالي الطريق قد بدأ بخطوة صحيحة، لكن الوجهة تحتاج إلى تخطيط تشريعي مرن وقدرة تنفيذية نزيهة وثقافة مالية جديدة تشارك فيها الدولة والقطاع الخاص على قدم المساواة.


































































































