بارعة جمعة – تفاصيل برس
تُعد مسألة حبس السيولة بالمصارف من أكثر الظواهر إلحاحاً وخطورة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، لتأثيرها المباشر على الدورة الإنتاجية، كما كثرت التحذيرات التي أطلقها المعنيون بالشأن الاقتصادي في تعزيز هذه المخاوف في حال استمرارها، ليبدو اليوم العمل على تعزيز الثقة بالنظم المصرفية السورية، حاجة ملحة في ضوء الأموال المحتجزة فيها ومطالب المودعين بها أيضاً.
مُقاربات مالية
في ظلّ المرحلة الدقيقة التي يمر بها الاقتصاد السوري، يجدد الخبير الاقتصادي الدكتور سلمان ريا المطالب بوجود مقاربات مالية لتحقيق التوازن بين الواقع النقدي وضوابط التنمية المستدامة، داعياً عبر حديثه لـ “تفاصيل برس” المصارف الوطنية، بما تختزنه من سيولة مودعين، إلى إعادة تعريف دورها في سياق أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي، وأبعد عن نمط التمويل الساكن أو الاستثمارات الريعية.
ويستدرك الخبير ريا شارحاً هدف السيولة بقوله: السيولة ليست هدفاً بحد ذاتها، إنما وسيط بين الثقة والإنتاج، وما لم تنتقل من حالة الخمول إلى التوظيف الفعّال، فإنها تتحول إلى عبء كامن على الاقتصاد، يزيد من التشوّهات البنيوية، ويُضعف الثقة بالمنظومة المصرفية.
ويحذر ريا من بقاء الودائع بحالة ركود خارج الدورة الاقتصادية الفعلية، ما يؤدي بدوره إلى مُضاعفة الطلب غير الإنتاجي على القطع الأجنبي، وتكريس اقتصاد الظل، والابتعاد عن مبادئ الشفافية والكفاءة.
المفهوم البنيوي للسيولة
ويقدم الخبير الاقتصادي ضمن قراءته لواقع عمل المصارف السورية اليوم حلولاً من شأنها إعادة الاعتبار إلى المفهوم البنيوي للسيولة بوصفها رافعة للتمويل لا مخزوناً للتعطيل، داعياً المعنيين إلى توجيهها نحو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتمويل المبادرات الإنتاجية الزراعية والصناعية، بما يخلق فرص العمل، ويعزّز القيمة المضافة، ويرفع من وتيرة دوران رأس المال داخل الاقتصاد الوطني.
كما تتطلب هذه الرؤية إصلاحات متكاملة لا تقتصر على السياسات النقدية فقط برأي الدكتور ريا، بل تشمل الإطار التشريعي، وبيئة الأعمال، وآليات الضمان والرقابة، كما أنها لا تنتهي عند تطوير أدوات التمويل التنموي، لتلبية الاحتياجات المحلية المتنوعة.
تعزيز ثقة المودعين
وترتبط عملية استعادة الثقة بالمصارف وفق رؤية الدكتور ريا بعمق الدور الذي يمكن أن تؤديه تلك المؤسسات في تمويل التغيير الاقتصادي، وتوسيع قاعدة المشاركة الإنتاجية، ودعم القطاعات ذات الأولوية الاستراتيجية، بعيداً عن كونها مسألة إعلامية أو شعاراتية.
وفي هذا السياق ذاته، تبرز أهمية تعزيز الموارد البشرية في القطاعين المالي والإنتاجي، بوصفها القاعدة الديناميكية للاقتصاد المعرفي برأي ريا، حيث أن رأسمال البشري المُدرّب والمؤهل ليس أداة لتنفيذ السياسات فقط، بل هو شريك في توليد القيمة، وحامل للمعرفة التطبيقية التي تصنع الفرق بين الاقتصاد الساكن والاقتصاد الحي.
ومن هنا يستنتج الخبير الاقتصادي بأنه لا يمكن فهم العلاقة بين المال والاقتصاد إلا في ضوء هذا التفاعل الجدلي بين القيمة المجردة والحركة الواقعية، فالمال هو شكل مجرد للقيمة، والاقتصاد هو الحيّز الذي تنشط فيه هذه القيمة عبر الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك، كما أن إخراج المال من حالة التعطيل وإدخاله في دورة الاقتصاد المنتج، هو المدخل الحقيقي لتحفيز التنمية، وتعزيز السيادة الاقتصادية، واستعادة ثقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها.
ويجدد الخبير الاقتصادي الدكتور سلمان ريا تحذيراته بشأن المرحلة المقبلة قائلاً: تتطلب استنفاراً فكرياً ومؤسساتياً يُعيد ضبط البوصلة.. من ريعية مُقنّعة إلى تنمية مستدامة، ومن الاحتفاظ السلبي للسيولة إلى التمويل الواعي للمستقبل.


































































































