تفاصيل برس – رصد
بعد نحو ثماني سنوات من التهجير، بدأت عائلات مهجرة من مدينة عفرين مغادرة مخيمات النزوح في مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي، متجهة إلى منازلها الأصلية، لتنهي أطول رحلة نزوح، وتفتح باب العودة أمام مئات الأسر التي أنهكتها ظروف المخيمات.
“انتهت تلك الرحلة البائسة وحان وقت العودة” بهذه الكلمات لخصت إحدى العائلات رحلة الشقاء ومشاعر الانتظار التي سبقت انطلاق قافلة العودة. أمضت تلك العائلة سنوات في مخيم “آزادي”.
انطلقت عملية عودة العائلات المهجرة من عفرين يوم الاثنين تطبيقا لبنود الاتفاق الموقع بين رئاسة الجمهورية العربية السورية وتنظيم (قسد)، والذي نص في بنده الرابع عشر على “العمل على التوصل إلى تفاهمات تخص العودة الآمنة والكريمة لأهالي منطقة عفرين والشيخ مقصود إلى مناطقهم”.
وفي هذا السياق أعلنت محافظة حلب أن اللجنة المركزية لاستجابة حلب باشرت تنفيذ عملية إنسانية لإعادة نحو 100 عائلة من أهالي عفرين المقيمين في مخيمي “آزادي” و”آشتي” بمدينة الطبقة، استجابة لنداءات الأهالي في ظل التدهور الكبير للأوضاع المعيشية داخل المخيمين.
وتوزع النازحون، إلى جانب مهجرين من مناطق سورية أخرى، داخل مدارس المدينة ومخيماتها التي كانت تعاني من تدهور كبير في الوضع الإنساني، وسط شعور عام باستحالة العودة إلى أن جاءت التطورات العسكرية الأخيرة التي حسمت المشهد.
أحد مهجري عفرين أقر بوجود مخاوف رافقت فكرة العودة خلال السنوات الماضية قائلا: “كانوا يخيفوننا من العودة ومن الفصائل هناك، لكن اليوم الحكومة السورية تكفلت بعودتنا” و”ما ضل خوف”.
في المقابل عبر أحد العائدين أيضا عن وجود مخاوف محدودة، مشيرا إلى أن “قسد” زرعت الخوف في نفوسنا على مدار سنوات طويلة، وحذرتنا من العودة، وغررت بنا.
من منفى قسري إلى دفء العودة
أعاد تحرير الجيش العربي السوري لمدينة الرقة وريفها الأمل إلى العائلات التي فرقتها سنوات سيطرة “قسد”، وفتح الباب أمام لقاءات طال انتظارها بعد فترات طويلة من الغياب، في مشاهد إنسانية مؤثرة عكست حجم المعاناة التي عاشها الأهالي خلال الأعوام الماضية.
فقد تداول ناشطون مؤخرا مقاطع مصورة وثقت لقاءات طال انتظارها بين أفراد أسر فرقتهم ظروف النزوح والحصار. ومن أبرز تلك المشاهد لقاء عدد من الإخوة في مدينة عفرين بعد أكثر من ثماني سنوات من الفراق، وذلك ضمن قافلة الأهالي العائدين من مدينة الطبقة، حيث اختلطت الدموع بالفرح في لحظات مؤثرة.
وفي مشهد آخر لاقى تفاعلا واسعا ظهر شاب يلتقي والدته في مدينة الرقة بعد 14 عاما من الغياب، حيث عانقته بحرارة وسط دموع الفرح. كما انتشر مقطع مصور لشاب متطوع في صفوف الجيش العربي السوري عاد إلى منزله بعد تسع سنوات من التهجير، ليتجول بين غرفه التي كانت قد حولتها “قسد” إلى مقر عسكري. وفي مسكنة التقت عائلة بابنها الذي ابتعد عنها عشر سنوات كاملة، في مشهد أعاد للأذهان قصصا مشابهة عاشتها مئات الأسر.
هذه اللقاءات أعادت إحياء حلم لطالما راود المهجرين من عفرين وغيرها من المناطق، والذين منع كثيرون منهم طوال السنوات الماضية من العودة إلى ديارهم أو زيارة أقاربهم في مناطق سيطرة “قسد”، حيث كانت تستخدمهم كورقة ضغط وتجبرهم على البقاء في مناطقها.
كما أجبرت “قسد” سابقا عائلات على البقاء في تل رفعت ومخيماتها، فزرعت ألغاما على حدودها بهدف منع خروج السكان والحد من محاولات عودتهم إلى مناطقهم الأصلية. حتى بعد تحرير عفرين في وقت سابق حاول العديد من الأهالي العودة إلى منازلهم، إلا أن “قسد” كانت أيضا تمنعهم من ذلك وتفرض قيودا مشددة على تحركاتهم.
ولم تكتف “قسد” بذلك، إذ نقلت أعدادا من الأهالي إلى مناطق سيطرتها في الرقة وشرقي الفرات ومنعتهم من العودة إلى عفرين.
وتكرر السيناريو ذاته خلال الأحداث الأخيرة في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، حيث حاولت “قسد” نقل السكان معها إلى مناطق أخرى، إلا أن كثيرين رفضوا ذلك بعدما أدركوا أن الهدف هو استخدامهم مجددا كورقة ضغط سياسية.
هذه الممارسات كشفت حقيقة الدور الذي لعبته “قسد” في تلك المناطق، إذ لم تكن حامية للمدنيين بقدر ما كانت تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة. ويشيرون إلى عمليات التجنيد القسري التي طالت شبانا وقاصرين، واختطاف أطفال وإلحاقهم بمعسكرات عسكرية، وحرمان عائلات من التواصل مع أبنائها.
ورغم كل تلك المحاولات، انتهت سياسات التضييق بالفشل مع تقدم الجيش العربي السوري وسيطرته على الرقة وريفها، ليبدأ الأهالي اليوم رحلة العودة إلى عفرين ومناطقهم الأصلية، واضعين حدا لسنوات من الانتظار والتهجير القسري. وتشكل هذه العودة بداية مرحلة جديدة يأمل السكان أن تكون أكثر استقرارا وأمنا بعد أعوام طويلة من الفراق والخوف.
عودة منظمة وجهود حكومية
أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عن تنفيذ اللجنة المركزية لاستجابة حلب عملية إنسانية لإعادة عائلات نازحة من أهالي مدينة عفرين بريف حلب الشمالي، والمقيمين في مخيمي “آزادي” و”آشتي” بمدينة الطبقة بريف الرقة.
ورافقت فرق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث القافلة من الطبقة حتى الوصول إلى عفرين لضمان الاستجابة لأي طارئ وتقديم المساعدة.
وأعلنت محافظة حلب يوم الاثنين 19 كانون الثاني عن تجهيز قافلة حافلات للانطلاق إلى مدينة الطبقة بريف محافظة الرقة، بهدف نقل أهالي عفرين النازحين والمقيمين في الطبقة إلى مدينتهم بريف حلب الشمالي.
تأتي هذه العملية استجابة لمناشدات الأهالي الذين اضطروا لمغادرة منازلهم بسبب المعارك والظروف الأمنية التي شهدتها منطقة عفرين عام 2018، حيث استقر معظمهم في مخيمات “آزادي” و”آشتي” وغيرها وسط ظروف معيشية صعبة وانعدام الاستقرار.
ونشرت “سانا” مشاهد لعدد من الحافلات التي تم تجهيزها ضمن القافلة المعلن عنها، التي ستنطلق من حلب باتجاه مدينة الطبقة لنقل أهالي عفرين النازحين والمقيمين في الطبقة إلى مدينتهم.
وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود الدولة السورية المستمرة لإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية ضمن خطة شاملة لإعادة الأمن والاستقرار وتحسين الأوضاع الإنسانية.
وتعتبر هذه المبادرة جزءا من المساعي الرامية إلى تسهيل العودة الآمنة والكريمة للمواطنين إلى بيوتهم، مع توفير كافة الاحتياجات اللازمة لضمان استقرارهم بعد العودة إلى مناطقهم.
وتضم محافظة الحسكة ستة مخيمات، بينما تضم دير الزور والرقة مخيما واحدا لكل منهما، وتضم منطقة الطبقة مخيمين، بالإضافة إلى مخيمين آخرين مخصصين لنازحي عفرين والشهباء.
الطبقة تستعيد نبض الحياة
بالتوازي مع عودة العائلات، بدأت الحياة تعود تدريجيا إلى مدينة الطبقة بعد تأمينها بالكامل من قبل الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي عقب انسحاب “قسد” من المنطقة.
وتتمتع هذه المدينة الواقعة على ضفاف نهر الفرات قرب سد الطبقة بأهمية استراتيجية واقتصادية كونها مركزا زراعيا وتجاريا يربط عدة محافظات ويؤثر في حركة النقل والطاقة شمال البلاد.
ومع استعادة الأمن فتحت الأسواق أبوابها وعادت حركة السير وسط شعور عام بالهدوء والاستقرار، فيما عبر الأهالي عن ترحيبهم بدور الجيش وقوى الأمن في إعادة الحياة الطبيعية.
ومع تأمين المدينة بدأ السكان ممارسة أنشطتهم اليومية، حيث فتحت الأسواق أبوابها وعادت حركة السير مع شعور واضح بالهدوء والأمان، فيما عبر عدد من السكان عن فرحتهم وترحيبهم بدور الجيش وقوى الأمن في استعادة الاستقرار، مؤكدين أن هذا التحول ساهم في عودة الروتين المدني للحياة اليومية.
ويأتي هذا التطور بعد توقيع الرئيس الشرع يوم الأحد على الاتفاق الذي ينص على وقف فوري لإطلاق النار واندماج “قسد” الكامل ضمن مؤسسات الدولة، وعلى تسليم محافظتي دير الزور والرقة إلى الحكومة ودمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن الهياكل الإدارية للدولة، في خطوة محورية على طريق استعادة الدولة لسيادتها الكاملة على جميع أراضيها.
إلى ذلك أعادت اللجنة المركزية لاستجابة حلب نحو 100 عائلة من أهالي عفرين من مخيمي “آزادي” و”آشتي”. وقد أفرغت المخيمات بالكامل في الطبقة. وأوضح عضو اللجنة فرهاد خورتو أن العملية شملت تأمين 15 حافلة لنقل العائلات بإشراف مباشر من اللجنة، وبالتنسيق مع مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث وإدارة منطقة عفرين، لضمان عودة آمنة ومنظمة.
وكانت إدارة منطقة عفرين قد أعلنت في 12 كانون الثاني عن نقل 750 عائلة إلى منازلها بعد استكمال تأمين الأحياء، ضمن جهود حكومية متواصلة لإعادة الاستقرار وتهيئة الظروف الآمنة لعودة الأهالي.
من جهتها أكدت عضو المكتب التنفيذي لمحافظة حلب إيمان هاشم أن الأوضاع داخل المخيمين باتت بالغة الصعوبة نتيجة النقص الحاد في الخدمات الأساسية، ما أثر بشكل مباشر على النساء والأطفال وكبار السن. وأضافت أن إعادة العائلات تسهم في لم شمل الأسر واستعادة حياتها الطبيعية ضمن بيئة أكثر أمانا واستقرارا، مؤكدة مواصلة الجهود الإنسانية لضمان عودة تحفظ كرامة المدنيين وتلبي احتياجاتهم الأساسية.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)


































































































