تفاصيل برس – رصد
في مشهد إنساني مؤثر يلخّص معنى الوفاء والانتماء، عاد محمد علي العباس، أحد أبناء مدينة مسكنة بريف حلب الشرقي، إلى مدينته مشياً على الأقدام، قاطعاً مسافة 125 كيلومتراً، وفاءً لنذر كان قد قطعه على نفسه منذ سنوات النزوح، بأن يعود سيراً إذا ما تحررت مدينته.
وانطلق محمد علي العباس من مدينة جرابلس يوم الخميس 22 كانون الثاني، حيث كان يقيم في مخيم الكوش، متوجهاً إلى مسكنة مروراً بمنبج وتادف ودير حافر، واستغرق ثلاثة أيام للوصول، تخللتها استراحات و23 ساعة مسير.
وقال العباس لصحيفة الثورة السورية إن قراره لم يكن سهلاً، خاصة في ظل وضعه الصحي، إذ يعاني من مرض الديسك في العمود الفقري، ويتناول أدوية خاصة بالقلب، إلا أن رغبته في الوفاء بنذره والتعبير عن فرحته بعودة مدينته كانت أقوى من الألم والتعب.
وأضاف: “الطريق كان طويلاً وصعباً، وزادت الثلوج والبرد من العناء، لكن النذر دين، ولا بد من الوفاء به، ومسكنة تستاهل”.
الرحلة التي قطعها العباس اختلطت فيها المشاعر بالذكريات، فكل كيلومتر كان يقرّبه من أرضٍ غادرها قسراً، ومن شوارع وأحياء ظلّت حاضرة في ذاكرته رغم سنوات النزوح، وأكد أن سنوات إقامته في المخيم بجرابلس لم تُبعده يوماً عن مسكنة، بل زادت تعلقه بها وأمله في العودة.
وأشار إلى أنه كان يتوقف بين الحين والآخر للراحة بسبب آلام الظهر، لكنه كان يواصل السير بإصرار، مستحضراً صورة مدينته وأهله، وأضاف: “كنت أقول لنفسي إن هذه الخطوات، مهما كانت صعبة، أهون من ألم الغربة والابتعاد عن البيت”.
وعند وصوله إلى مشارف مسكنة، لم يتجه أولاً إلى منزله أو إلى معارفه، بل كانت وجهته الأولى إلى قبور الشهداء، وبيّن أن هذه الزيارة كانت بالنسبة له أولوية، تعبيراً عن الامتنان لمن ضحّوا بأرواحهم، وقال: “أردت أن أقرأ الفاتحة على أرواحهم قبل أي شيء، فهم من كتبوا بدمائهم طريق العودة”.
استقبال في مسكنة
مشهد وصوله لم يمرّ بصمت في المدينة، إذ كان في استقباله عدد من سكان مسكنة الذين سمعوا بقصته، فتجمّعوا للترحيب به وسط أجواء من الفرح والتأثر.
وعبّر أبناء مسكنة عن تقديرهم لخطوته وما تحمله من رمزية، فقالت أمينة السليمان: «بارك الله بأبي علي العباس، الثائر الحر الوفي الذي عاهد دم الشهداء ووفى بعهده، شكر الله لك أبو علي ووفقك وجزاك خير الجزاء»، فيما قال سليمان الخفاجي: «ما شاء الله تبارك الرحمن، الفوز فوزين، التحرير والفوز بالمسير الذي ربط به جرابلس ومسكنة، مبادرة جميلة تحمل في طياتها المعاني الكثيرة».
بدوره قال أبو يزن الشيخ: «أبو علي الحبيب، أسأل أن يكتب أجرك وأن يديم عليك الصحة والعافية، تستاهل مسكنتنا أن نضحي لها بكل ما نملك، والحمد لله رجعنا رجعة عز منتصرين، نورت مسكنة».
أما يوسف أبو تميم فاكتفى بالقول: «الحمد لله الذي جعلها عودة عز»، في حين أضاف زكريا الساير: «الله يبارك فيه ويحفظ له صحته وعافيته، كنا نسمع أن وعد الحر دين حتى شفنا أبو علي، الحمد لله على سلامته ومبارك عليه النصر»، وتعكس هذه الشهادات حجم التأثر الشعبي بالقصة، وكيف تحولت رحلة فردية إلى رمزٍ جمعي للوفاء والارتباط بالأرض.
من جانبه، أضاف العباس أن عودته إلى مسكنة “ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة”، متمنياً أن تعود الحياة إلى طبيعتها في المدينة، وأن يتمكن الأهالي من إعادة بناء ما تهدّم، وقال إن فرحته لا توصف وهو يخطو داخل مدينته من جديد، بعد سنوات من الانتظار.
قصة محمد علي العباس ليست حكاية فردية، بل صورة عن مشاعر كثيرين عاشوا تجربة النزوح، وحملوا في قلوبهم وعوداً وأحلاماً مؤجلة، وبين الألم والأمل، اختار هذا الرجل أن يكتب سطر عودته بخطواته، ليبقى مشهده وهو يدخل مسكنة مشياً، رغم المرض والتعب، شاهداً على أن العلاقة بين الإنسان وأرضه لا تُقاس بالمسافات، بل بما يسكن القلب من وفاء.
تقلبات السيطرة في مسكنة
وتعود جذور معاناة أهالي مسكنة إلى سنوات عديدة وتغير السيطرة، إذ شهدت منذ عام 2014 سيطرة ميليشيا (داعش)، وهو الحدث الذي شكّل بداية نزوح السكان من المدينة بحثاً عن منازل آمنة وحياة مستقرة.
وفي عام 2017، وبعد دخول قوات النظام المخلوع إلى المدينة، شهدت مسكنة أكبر موجات النزوح في تاريخها الحديث، إذ اضطر آلاف الأهالي، بمن فيهم عائلة محمد علي العباس، إلى مغادرة بيوتهم والتشتّت في مخيمات ومناطق أخرى.
ومع سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024، استولى تنظيم “قسد” على المدينة، وبقي سكانها بعيدين عنها، حتى إعلان تحريرها في 17 كانون الثاني الجاري على يد الجيش العربي السوري، وهو اليوم الذي فتحت فيه أبواب العودة أمام أبنائها مجدداً، لتبدأ مرحلة جديدة من الرجوع وبناء الأمل في النفوس بعد سنوات طويلة من الغياب والتهجير.


































































































