تفاصيل برس – رصد
على أرض معرض دمشق الدولي للكتاب، بين الأجنحة المزدحمة والزوار المتجولين، يقف الناشر الأردني عماد الدلو، ليكشف عن الجانب الأكثر إرهاقاً وتعقيداً في اقتصاديات النشر العربي المعاصر: كلفة الوصول إلى القارئ.
في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، يسلط الدلو الضوء على الثقل المالي واللوجستي الهائل الذي تتحمله دور النشر للمشاركة في المحافل والمعارض الدولية، والتي أصبحت ركيزة أساسية للتسويق والبقاء في السوق.
يؤكد الدلو من واقع خبرة تمتد لأكثر من عشرين عاماً في مجال النشر، أن اعتماد دور النشر العربية في الوقت الراهن أصبح منصباً بشكل شبه كلي على “المحافل الدولية” و”معارض الكتاب الكبرى”.
ويشير إلى وجود أكثر من 20 معرضاً رئيساً في الوطن العربي تشكل فرصة تجارية وتواصلية حيوية لا يمكن تجاهلها.
ويكشف الدلو عن الجدية الكبيرة والاستعداد اللوجستي المعقد الذي تتعامل به داره مع هذه المشاركات، قائلاً: “كنا موجودون في معرض القاهرة الدولي للكتاب قبل يومين فقط من حضورنا معرض دمشق. التنقل بين المعارض صار جزءاً أساسياً من عملنا، لكن ثمنه باهظ جداً”.
فاتورة المشاركة
يقدّم الدلو تحليلاً دقيقاً ومفصلاً للتكاليف المباشرة وغير المباشرة التي تتكبدها الدار للمشاركة في معرض واحد، والتي تشرح بشكل كبير أسباب الارتفاع المستمر في أسعار الكتب:
تكاليف النشر الأساسية والجوهريّة: تشمل حقوق الطبع والتأليف التي يدفعها الناشر للمؤلفين. يوضح الدلو أن معظم الكتب تحمل حقوقاً “لسنة معينة” أو لعدد محدد من الطبعات، ثم يتم تجديد هذه الحقوق وإصدار طبعات جديدة بعد نفاد الطبعات السابقة. هذه التكاليف تشكل النسبة الأكبر من تكلفة الكتاب قبل حتى بدء عملية الطباعة.
تكاليف الإنتاج والتموين اللوجستي: هنا يكمن التفصيل الأكثر إثارة للدهشة. يقول الدلو: “أنا أحضر 90 عنواناً مختلفاً للمعرض الواحد، وهذا يعني تنوعاً في العناوين لتلبية أذواق مختلفة. لكن التكلفة لا تقف عند حدود نقل الكتب فقط. أنا أستدعي موظفاً أو أكثر للمعرض، ويكون هذا الموظف على نفقة صاحب الدار بالكامل: أكل، شرب، مواصلات، إقامة في الفندق، بدل سفر. كل هذه تكاليف إضافية تضاف إلى سعر الكتاب النهائي”.
تكاليف التسويق والحماية من القرصنة الفورية: يصف الدلو ساحة المعارض بأنها “فرصة تسويقية لا تعوّض للكتب”، لكنه يلمح في الوقت نفسه إلى تحدٍ مستمر وخطير، وهو “وجود جهات وأفراد يقومون بتصوير الكتاب كاملاً داخل أروقة المعرض نفسه”. هذه الممارسة تعني خسارة مبيعات محتملة بسبب القرصنة الفورية التي تحدث داخل المكان المخصص أصلًا لتسويق الكتاب وبيعه.
تكاليف الخدمات اللوجستية الإضافية: تشمل هذه تكاليف الشحن الدولي للكتب من الأردن إلى دول المعارض، وتكاليف التخزين المؤقت، وتأجير المساحات داخل المعارض التي ارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وتكاليف التصاميم والدعايات الخاصة بكل معرض.
صناعة ثقافية
يختتم عماد الدلو حديثه بجملة واحدة تلخص عبء المشاركة في المعارض الدولية: “كل يوم في المعرض في فلوس تنفق”. هذه العبارة البسيطة تختزل واقع صناعة النشر العربية برمتها، التي تجمع بين الرسالة الثقافية النبيلة والجدوى الاقتصادية الصعبة المرّة.
المشاركة في المعارض، رغم كونها ضرورة تسويقية وحضورية لا غنى عنها، وفق الدلو تشكل استنزافاً مالياً كبيراً لدور النشر، وخصوصاً الصغيرة والمتوسطة منها التي تعاني أساساً من شح الموارد.
يظهر حديث الدلو بوضوح أن سعر الكتاب على الرف لا يعكس فقط قيمة الورق والحبر والطباعة، بل أيضاً ثمن الوصول إلى القارئ في سوق تتطلب حضوراً مكلفاً على الأرض، وحماية مستمرة للمحتوى من القرصنة، واستثماراً استراتيجياً في التخصص، مما يضع أعباء إضافية هائلة على كاهل ناشر يبحث عن التوازن المستحيل بين البقاء اقتصادياً وتحقيق رسالته الثقافية.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)


































































































