تفاصيل برس – رصد
بحث وزير النقل السوري يعرب بدر مع ممثلي البنك الدولي، عبر تقنية الاتصال المرئي، آليات تأهيل وتطوير شبكة السكك الحديدية في سوريا، وذلك في إطار متابعة مشاريع تحسين البنية التحتية المطروحة للاستثمار. وتمت مناقشة المقترحات المشتركة بين الجانبين، إضافة إلى استعراض رؤية البنك الدولي لبرنامج الدعم الفني المخصص لتأهيل شبكات النقل، مع التركيز على المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية.
وفي شهر تشرين الثاني الماضي، كشف وزير النقل السوري أن نحو 1800 كيلومتر من شبكة السكك الحديدية السورية، التي يتجاوز طولها 2800 كيلومتر، قد تضرر بشكل كبير بسبب سنوات الصراع، ما يجعل عملية إعادة تأهيل الشبكات أمرا حيويا لإعادة تنشيط النشاط الاقتصادي وربط البلاد داخليا وإقليميا.
وفي هذا السياق، اعتبر المحلل والباحث الاقتصادي الدكتور علي محمد في تصريح لصحيفة “الثورة السورية” أن مشاريع السكك الحديدية في أي دولة تعد من أهم عناصر البنية التحتية للنقل، لما تمتلكه من خصائص تميزها عن غيرها من وسائل النقل. موضحا أن الحاجة قائمة لكل أوجه النقل، سواء البحري أو الجوي أو البري، إلا أن السكك الحديدية تبقى وسيلة فعالة بشكل خاص لنقل البضائع والخدمات والسلع المرتبطة بدخل الدولة.
وأضاف محمد أن السكك الحديدية تشكل بديلا عمليا للنقل البري ومشكلاته، خاصة عند الحديث عن مسافات طويلة داخل سوريا، أو عند نقل المواد إلى الدول المجاورة، مؤكدا أنها أسرع وأكثر كفاءة رغم حاجتها إلى صيانة دورية.
يمثل الحوار مع البنك الدولي أكثر من مجرد اجتماع تقني بين جهة حكومية ومؤسسة دولية، فهو مؤشر واضح على بداية استراتيجية أوسع لإعادة تنشيط وسائل النقل وبناء أنظمة لوجستية متكاملة في سوريا، في وقت باتت فيه الحاجة إلى الاستثمار في البنية التحتية ضرورة قصوى لإعادة الإعمار ودعم حركة التجارة والصناعة.
مشروع السكك الحديدية.. الفوسفات كرافعة اقتصادية
تعد شبكة السكك الحديدية في سوريا من أهم وسائل الربط الداخلي بين المحافظات، لكن السنوات الماضية تركت أثرا صعبا عليها نتيجة أضرار البنية التحتية وضعف التمويل. ومع تضرر نحو 1800 كيلومتر من طول الشبكة، وبقاء نحو 1000 كيلومتر فقط في التشغيل الفعلي، تبدو الحاجة إلى إعادة التأهيل والتطوير ملحة.
وفي هذا الإطار، يشير الدكتور علي محمد إلى أن إعادة إصلاح السكك الحديدية لا تعني فقط ترميم خطوط نقل مهملة، بل تعني عمليا زيادة فعالية النقل في سوريا، سواء لنقل الركاب أو البضائع، بما ينعكس مباشرة على خفض التكاليف اللوجستية والتشغيلية. مؤكدا أن النقل عبر السكك الحديدية أقل تكلفة من النقل البري، وقد تصل كلفته إلى نحو 25% فقط من إجمالي تكلفة النقل البري، وفق تقديرات إحصائية.
كما شدد الباحث الاقتصادي على أن تأهيل السكك يمثل، بحد ذاته، استثمارا منتجا، لأنه يفتح الباب أمام مشاريع جديدة ويوفر فرص عمل أساسية مرتبطة بقطاع النقل والخدمات والصيانة.
خط نقل الفوسفات.. ربط الإنتاج بالتصدير
من بين المشاريع المطروحة خلال المحادثات مع البنك الدولي يبرز خط نقل الفوسفات من مناجم مهين في حمص إلى مرفأ طرطوس، وهو مشروع تفرضه حاجة السوق المحلية والدولية لنقل هذه المادة الخام ذات القيمة الاقتصادية العالية. إذ كان الفوسفات من القطاعات المهمة في سوريا قبل الحرب، لكنه تعرض لتراجع كبير مع تقلص النشاط الصناعي، بينما تمثل إعادة إحيائه فرصة لرفع الصادرات وإدخال العملة الصعبة إلى البلاد.
ويؤكد الباحث الاقتصادي أن سوريا تعد من الدول المنتجة للفوسفات بشكل كبير، بل ومن أكبر دول المنطقة في هذا المجال. موضحا أن الاحتياطي السوري، وفق إحصائيات سابقة، يقترب من مليار ونصف طن، ويتمركز بشكل أساسي في حمص وتدمر.
وأضاف أن الإنتاج قبل الحرب كان يتراوح بين مليون ونصف إلى ثلاثة ملايين طن سنويا، مشيرا إلى أن الأرقام الحالية غير دقيقة، لكن اعتمادا على المعدلات السابقة، فإن إنتاج مليون طن سنويا بسعر وسطي يقارب 100 دولار للطن يمكن أن يدر عائدا يتراوح بين 300 و400 مليون دولار سنويا، ما يجعل الاستثمار في الفوسفات واحدا من القطاعات القادرة على رفد الاقتصاد السوري بإيرادات مهمة.
واعتبر محمد أن أهمية الفوسفات لا تكمن فقط في تصديره كمادة خام، بل في دخوله ضمن صناعات متعددة، ما يفتح المجال أمام سلسلة إنتاج أوسع ويعني فرصا أكبر لزيادة العوائد وتحسين الصادرات ورفع الإيرادات الحكومية.
وأضاف أن استعادة هذا الخط ستتيح تسريع نقل الفوسفات من قلب الإنتاج إلى الشاطئ، ما يسهل تصديره عبر البحر إلى الأسواق العالمية ويخلق ديناميكية جديدة في سوق العمل والخدمات اللوجستية المرتبطة به.
وفي هذا السياق، لفت محمد إلى أن الربط بين إصلاح 1800 كيلومتر من السكك المتضررة وبين العودة المثلى لاستثمار الفوسفات سيشكل نقطة تحول، لأن السكك الحديدية تعد الناقل الأهم للفوسفات من أماكن الإنتاج إلى أماكن التصنيع والتسويق والتصدير. وبالتالي فإن تطوير هذه الشبكة سيمكن من زيادة وتيرة العمل وتحقيق فوائد اقتصادية محلية وخارجية.
وأضاف أن سوريا، خاصة بعد إلغاء قانون قيصر، يمكن أن تعود إلى أسواقها التقليدية والآسيوية وغيرها لتصدير الفوسفات، مع إمكانية زيادة الشركاء الاقتصاديين وتفعيل الصناعات المرتبطة بالمادة، بما ينعكس على فرص العمل والقوة الشرائية وتحسين الصادرات.
دور البنك الدولي.. دعم فني ومعايير دولية
بعد سنوات من تعطل المشاريع بسبب الانكماش الاقتصادي والعزلة الدولية، يدخل البنك الدولي في هذه المرحلة بوصفه مصدرا للدعم الفني ولخبرات تقييم المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية. وقد استعرض ممثلو البنك خلال الاجتماعات برنامجه للدعم الفني الخاص بتأهيل شبكات النقل، ما يضع سوريا في مسار جديد نحو تطبيق معايير فنية وإدارية أكثر تقدما تتناسب مع متطلبات الاقتصاد الدولي.
وبذلك لا يقتصر دور البنك على تقديم التمويل وحده، بل يشمل أيضا وضع إطار مهني إجرائي يمكن السلطات السورية من إدارة المشروع وفقا للمعايير الدولية، ما يعزز المصداقية ويجذب مستثمرين محتملين إلى الشراكة في هذا القطاع الحيوي.
وتكمن أهمية ربط مدينة حلب بتركيا في كونه مشروعا استراتيجيا سياسيا واقتصاديا. فقد منحت السنوات الأخيرة سوريا موقعا جديدا في سلسلة العلاقات الإقليمية، بعد الانفتاح الاقتصادي والسياسي الذي يواكبه تعاون متعدد الجوانب مع الدول المجاورة.
المشروع ينص على خط حديدي يربط معبر ميدان إكبس الحدودي مع تركيا بمدينة حلب، وهو ما يعني فتح طريق بري سريع يمكن أن يسهم في تنشيط حجم التبادل التجاري بين البلدين. وهذا الربط ليس جديدا تماما في سياق التاريخ، فهناك خطوط سكة حديد تاريخية تربط المدينة التركية أضنة بمدينة حلب منذ أكثر من مئة عام، لكنها توقفت غالبيتها بعد بدء الثورة السورية عام 2011 وتدهور الأوضاع الأمنية في شمال سوريا.
وفي هذه المرحلة يرتبط المشروع بمنظور أوسع يشمل تسهيل حركة البضائع وتقليل تكاليف النقل وتعزيز التبادل التجاري وربط السوق السورية بسلاسل التوريد التركية التي تعد من أكبر الأسواق في المنطقة. وقد أبدت تركيا استعدادا لتقديم دعم في إعادة تقوية خطوط السكك القديمة وإعادة تشغيلها بما يخدم المصالح المشتركة في المنطقة.
ويأتي ذلك متسقا مع ما يؤكده الباحث الاقتصادي علي محمد بأن السكك الحديدية تعد وسيلة أفضل وأسرع من النقل البري عند الحديث عن خطوط تمتد لمسافات طويلة أو تعبر الحدود، لأنها تخفف الضغط عن الطرق وتقلل الكلف التشغيلية المرتبطة بالنقل التقليدي.
كما يعزز مشروع الربط مع تركيا فرص تدفق البضائع بشكل أسرع، ما يقلل من الوقت والتكاليف المرتبطة بعمليات النقل التقليدية، ويخلق طلبا جديدا على العمالة في قطاعات النقل والخدمات والمنافذ الحدودية.
علاوة على ذلك، فإن تنشيط قطاع الخدمات اللوجستية قد يحفز الشركات الخاصة على الدخول في شراكات تشغيلية في مراكز التخزين وإدارة الحاويات على طول المسار. وهذه الرؤية تؤكد أهمية العنصر اللوجستي في عملية إعادة الإعمار، كما تجسد كيف يمكن لمشروع بنية تحتية أن يأخذ أبعادا استراتيجية تتعدى القضبان والعربات.
تطوير المرافئ السورية.. بوابة تجارة إقليمية
ترتبط خطوط السكك الحديدية ارتباطا وثيقا بالمرافئ، لأن تكامل النقل البري والبحري يمكن أن يحدث طفرة في الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، ركز النقاش مع البنك الدولي على مشاريع نقل الحاويات من مرفأ اللاذقية إلى المرفأ الجاف في منطقة الشيخ نجار بحلب، بما يمكن من ربط حركة التجارة البحرية بالسكك الحديدية بشكل متكامل ومجد اقتصاديا.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي محمد أن الموقع الجيوسياسي والاستراتيجي لسوريا على سواحل البحر الأبيض المتوسط يمنحها فرصة كبيرة لتحويل مرافئها إلى مراكز لوجستية إقليمية وعالمية. مشيرا إلى أن سوريا تمتلك ثلاثة مرافئ، ولكل مرفأ ميزاته وتحدياته، ما يستدعي تطويرها وتحديثها لتكون قادرة على الاستفادة من قربها من خطوط الملاحة البحرية.
وأضاف أن المرافئ يمكن أن تتحول إلى نقطة عبور أو وصول للشحن، ليس فقط إلى سوريا بل إلى دول أخرى، ما يعني زيادة حجم التجارة ورفع الإيرادات الحكومية.
حيث إن ربط مرافئ اللاذقية وطرطوس بالسكك الحديدية لا يعد مجرد تحديث للبنية التحتية، بل يتعلق بصياغة نظام لوجستي متكامل يخدم الأسواق المحلية والإقليمية. وقد بدأت سوريا بالفعل خطوات لتطوير العلاقات البحرية مع دول الجوار، حيث سجلت تبادلات وتعاونا مع الجانب التركي لتبادل الخبرات وتحديث التشريعات المتعلقة بالملاحة البحرية.
ومن شأن تطوير المرافئ أيضا أن يضع سوريا في موقع محوري في التجارة الإقليمية، لأنها تملك واجهة بحرية على المتوسط تربط أوروبا بالشرق الأوسط، وهو موقع يمكن أن يتحول إلى جسر تجاري مهم إذا ما تم دعم المرافئ بشبكات نقل فعالة تربطها بالمناطق الإنتاجية والحدودية.
وربما تكون فرص الاستثمار والشراكات الدولية العامل الأهم في هذا السياق، خاصة مع اتساع مساحة الشراكات المحتملة مع المستثمرين الدوليين، لا سيما إذا تم توظيف دعم مؤسسات مثل البنك الدولي في خلق إطار قانوني وتشغيلي يمنح الطمأنينة للمستثمرين الأجانب حول استدامة المشاريع وعائداتها. وقد تشمل هذه الشراكات تحديث الموانئ وإنشاء مناطق لوجستية وتطوير خدمات النقل البري والبحري معا.
ورغم أهمية وتنوع المشاريع المطروحة، هناك تحديات حقيقية تواجه التنفيذ على الأرض. من أبرزها الإصلاح المالي واللوجستي، إذ يحتاج الاقتصاد السوري إلى إعادة هيكلة نظام الدفع والتحويلات المالية الدولية، وهو ما بدأت السلطات تعمل عليه بالتعاون مع شركاء دوليين لدخول نظام سويفت مرة أخرى وتسهيل الحركة المالية على الصعيد الدولي.
إضافة إلى تكاليف إعادة الإعمار، إذ أشار البنك الدولي في تقارير سابقة إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تصل إلى أكثر من 216 مليار دولار، مع احتساب البنية التحتية كحصة كبيرة من المبلغ.
لكن، ما يجري اليوم من نقاشات بين وزارة النقل السورية وممثلي البنك الدولي يعد خطوة أولى في مشروع إعادة وضع سوريا على خريطة النقل الإقليمية. فإعادة تأهيل السكك الحديدية وربطها بالمرافئ وطرح خطوط جديدة تربط حلب بتركيا هي ملامح استراتيجية اقتصادية وتجارية تحمل فرصا حقيقية لإعادة تنشيط النشاط الاقتصادي ودفع عجلة إعادة الإعمار.
ومع التخطيط والتنفيذ ضمن إطار تشاركي مع القطاع الخاص، وبالاستفادة من الدعم الفني الدولي، يمكن لسوريا أن تتحول تدريجيا إلى جسر لوجستي يربط الشرق بالغرب ويمنح الاقتصاد الوطني دفعة نوعية بعد سنوات طويلة من التحديات.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)


































































































