تفاصيل برس – رصد
يشكّل القصب المنتشر على ضفاف الأنهار والسواقي في محافظة طرطوس واحداً من الموارد الطبيعية المحلية التي بقيت لسنوات طويلة خارج الاهتمام الاقتصادي المنظم، رغم حضوره الواسع في البيئة الساحلية، ومع تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، بدأ الأهالي ينظرون إليه بوصفه مادة أولية قابلة للتحويل إلى مصدر دخل بسيط يخفف الأعباء المعيشية.
وخلال السنوات الأخيرة، تحوّل هذا النبات البري من عنصر طبيعي مهمل إلى نشاط حرفي منزلي تمارسه عشرات العائلات في ريف طرطوس، حيث تُجمع عيدانه من أماكن نموه الطبيعية، ثم تُنقل إلى الورش الصغيرة أو المنازل ليجري تجفيفها ومعالجتها وتحويلها إلى منتجات متعددة الاستخدامات تُباع في الأسواق المحلية والمنتزهات.
وتكشف هذه المهنة عن نموذج للاقتصاد المحلي القائم على المبادرات الفردية، إذ يعتمد العاملون فيها على خبراتهم الذاتية وأدوات بسيطة، في ظل غياب برامج الدعم والتأهيل والتسويق المنظم، كما أسهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في فتح قنوات بيع جديدة ساعدت الحرفيين على الوصول إلى الزبائن داخل المحافظة وخارجها.
القصب من الطبيعة إلى السوق
في مشهد يتكرر يومياً في ريف طرطوس، يجمع عدد من الأهالي عيدان القصب من الأماكن الطبيعية، ثم ينقلونها إلى الورش الصغيرة أو إلى باحات منازلهم، حيث تبدأ رحلة التحول من نبات بري إلى منتج قابل للبيع، تمر الأعواد بمرحلة التجفيف، ثم تُقشّر وتُفرز وتُنقّى قبل تحويلها إلى سلال وأسقف وشماسي وحواجز زراعية وأدوات زينة تُستخدم في المطابخ والمقاهي والمنتزهات.
يقول سامي أحمد، أحد الحرفيين في منطقة صافيتا: “القصب نعمة من الطبيعة، لا نحتاج إلى زراعته، فقط نجمعه ونحوّله إلى منتجات نبيعها في الأسواق المحلية، ويزداد الطلب عليه في الصيف، خاصة من أصحاب المقاهي والمنتزهات”.
من جهتها، ترى مديرية الزراعة في طرطوس أن القصب يُعد من النباتات المحلية المفيدة بيئياً، ويقول المهندس سامر حسن العامل في المديرية: “القصب ينمو طبيعياً في المناطق الرطبة، ولا يشكل خطراً على البيئة، بل يساهم في تنظيم مجاري المياه والحد من النمو العشوائي للنباتات، نحن نتابع هذا النشاط ونشجعه، لكن لا توجد برامج دعم مباشرة له حتى الآن”.
أما ياسر علي، رئيس دائرة الشؤون الزراعية والوقاية، فيوضح أن ما يُعرف محلياً بـ”قصب الزل” ينتشر بشكل خاص في مناطق نهر مرقية ونهر حصين البحر ونهر الغمقة، مضيفاً: “رغم أن المساحات التي ينمو فيها محدودة فإن كثافته عالية، ويُستخدم في صناعة الخيم الواقية من الشمس والسلال والأسوار الصغيرة، كما أظهرت دراسة محلية إمكانية استخدامه في تنقية مياه الصرف الصحي، ما يفتح الباب أمام استثماره في مشاريع بيئية مستدامة”.
وفي ورشة صغيرة قرب البحر يعمل إبراهيم داوود أبو سليمان على تحويل القصب إلى سلال وأسقف، يقول: “تعلمت المهنة بنفسي واستفدت من الإنترنت، واطلعت على تجارب المغرب والفلبين والصين، لجأت إليها بدافع الحاجة المادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى حبي للطبيعة”.
ويعتمد إبراهيم في تسويق منتجاته على موقعه الجغرافي، موضحاً: “أغلب الزبائن من المطاعم البحرية ومنتزهات الأنهار، وأستخدم صفحتي على فيسبوك للترويج، العمل يسد جزءاً من احتياجات الأسرة، لكن غياب الدعم يعرقل التوسع، وأتمنى وجود جمعية أو جهة تمنح قروضاً ميسرة لتطوير الورشات”.
ويضيف مبتسماً: “هذه الحرفة تمنحني شعوراً بالإنجاز، فهي صديقة للبيئة، وقطع القصب يفيده لأنه يتجدد سنوياً، كما تستفيد منه عدة عائلات؛ من يقطعه، ومن ينقله، ومن يقشره، ومن يحيكه، فهي سلسلة عمل متكاملة”.
بعد التقاعد.. القصب يمنح وقتاً ذا قيمة
ليست الحرفة حكراً على الشباب أو أصحاب الورش، بل يجد فيها بعض المتقاعدين فرصة للعمل، يقول علي أبو محمد من بلدة حصين البحر: “تجاوزت الستين وتقاعدت من التعليم، لكن الراتب لا يكفي، بدأت العمل في ورشة صديق لي، وأصبحت أشعر أن وقتي له قيمة، إضافة إلى مصدر دخل يساعد أسرتي”.
وتؤكد نقابة الحرفيين في طرطوس أن صناعة القصب تدخل ضمن الصناعات التقليدية التي تحتاج إلى دعم، تقول ندى خليل، ممثلة النقابة: “نعمل على تسجيل الحرفيين في هذا المجال، ونأمل توفير معارض دائمة لعرض منتجاتهم، إضافة إلى دورات تدريبية لتحسين الجودة، لكننا بحاجة إلى دعم مؤسسي لتطوير هذه الحرفة”.
ورغم بساطة المادة الخام، يواجه العاملون في هذا المجال عدة تحديات، أبرزها غياب الدعم المادي والتقني وضعف التسويق في ظل تراجع الحركة السياحية، وعدم وجود جمعيات حرفية متخصصة، إضافة إلى صعوبات النقل وارتفاع تكاليف الإنتاج.
في المقابل يرى مهتمون أن القصب يمثل فرصة حقيقية للتنمية الريفية المستدامة، كونه متوافراً بكثرة ولا يحتاج إلى زراعة، وهو صديق للبيئة ويُستخدم في مشاريع بيئية، كما يوفر فرص عمل يدوية لشرائح واسعة من المجتمع ويمكن تطوير منتجاته لتناسب الأسواق المحلية والخارجية.
القصب في طرطوس يجسد نموذجاً للإنسان الذي يحول الموارد المتاحة إلى فرصة عمل، وبين أيدي الحرفيين يصبح القصب أكثر من كونه عوداً أجوف، إذ يغدو وسيلة إنتاج محلية تعزز الاعتماد على الذات وترتبط بالبيئة والطبيعة.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)


































































































