تفاصيل برس – رصد
ما هي مواثيق الشرف الإعلامية؟ وما الذي يجعلها مرجعاً أساسياً لمن يبحث عن المصداقية والالتزام والمسؤولية؟ وكيف لمجموعة مبادئ مكتوبة أن تصنع مشهداً إعلامياً؟ أسئلة طُرحت في الأوساط الإعلامية بعد الإعلان عن مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا.
هذه المدونة التي تبنتها وزارة الإعلام، وأطلقتها أمس الأحد تحت شعار “إعلام مهني وكلمة مسؤولة”، تعتبر محطة مفصلية في تاريخ العمل الإعلامي السوري، بحسب ما ذكر وزير الإعلام الدكتور حمزة المصطفى في كلمة خلال حفل إشهار مدونة السلوك المهني، والتي جاءت ثمرة حوار جماعي شارك فيه نحو ألف صحفي على امتداد الجغرافيا.
المدونة كنقطة بداية
اعتبر وزير الإعلام أن هذه المدونة من بين الأهم، ليس على مستوى المنطقة العربية فحسب، بل على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكونها مدونة تفصيلية شارحة تلامس المفاهيم الإعلامية السابقة والحالية والناشئة في فضاء الإعلام، وتسعى لتأطيرها وتقديمها بصورة واضحة لا تحتمل التفسير أو التأويل.
وأشار الوزير إلى أن التجربة التي أفضت إلى صياغة المدونة كانت الهدف بحد ذاته أكثر من كون المخرج النهائي هو الأساس، لجهة إشراك الصحفيين في المساهمة بكتابتها وفق منهجية تقوم من أسفل إلى أعلى، بحيث لا يُفرض تصور ناظم للعمل الصحفي والإعلامي، بل يتشكل عبر جهد جماعي شاركت فيه الوزارة إلى جانب النقابات والمؤسسات الإعلامية والصحفيين أنفسهم، لتكون هذه المدونة نقطة بداية، ستتم مراجعتها كل عام في عيد الصحافة لإعادة النظر فيها وتطويرها.
تعزيز الثقة بين الإعلام والمجتمع
وفي كلمة له خلال حفل الإطلاق، بيّن ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحفيين وصنّاع المحتوى، علي عيد، أن الالتزام الجديد يهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإعلام والمجتمع انطلاقاً من قاعدة حرية مسؤولة واستقلال منضبط بمعايير مهنية.
وأشار عيد إلى أن الهشاشة الاجتماعية وتعدد الروايات والشائعات وخطاب الكراهية جعلت السؤال الجوهري هو: كيف نستعيد الثقة؟ خاصة مع تضخم دور الخوارزميات والذكاء الاصطناعي اللذين ضاعفا التحدي وجعلا أثر الكلمة أسرع وأخطر.
وفيما إذا كانت المدونة أداةً للرقابة، أوضح عيد أنها ليست كذلك، ولا هي بديل عن القانون ولا نصاً صحفياً جامداً، إنما تُعد إطاراً للتنظيم الذاتي باعتباره أعلى درجات حماية الحريات، فالحرية التي لا تخضع لمعايير تتحول إلى فوضى، منوهاً إلى أن المدونة لا تدّعي منع الخطأ، فالصحافة عمل بشري والخطأ فيها وارد، إلا أن وجود مرجعية للمساءلة وآلية للاعتراف بالخطأ وتصحيحه هو الفارق بين مهنة ناضجة وأخرى مضطربة.
دعم للصحفيين وصنّاع المحتوى
وفي تصريح لـ”الثورة السورية”، أوضح معاون وزير الإعلام عبادة كوجان أن هذه المدونة وُجدت لدعم الصحفيين وصنّاع المحتوى من خلال معايير أخلاقية وإرشادية، دون أي دور رقابي للوزارة عليها.
ولفت إلى أن الوزارة تلقت العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت قد وضعت المدونة أو مارست دوراً رقابياً عليها، نافياً هذا الكلام بشكل كامل، مشيراً إلى أن المدونة وُلدت بمبادرة من صحفيين سوريين مستقلين شكلوا لاحقاً ما سُمّي “اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك”.
وأكد أن إطلاق المدونة يشكل نقطة بداية لمراحل لاحقة، تتضمن تشكيل لجنة مختصة بمتابعة أعمالها، إضافة إلى إنشاء صندوق لتلقي الشكاوى بهدف معالجة الخلافات داخل الفضاء الصحفي بين الصحفيين أنفسهم، والارتقاء بالمهنة قبل اللجوء إلى المسارات القانونية أو الأدوات التنفيذية.
وفيما يتعلق بصنّاع المحتوى، أوضح كوجان أن المدونة تتضمن ملحقاً خاصاً يحدد مجموعة من الضوابط والقيم لصنّاع المحتوى، خاصة أن بعضهم يقع أحياناً في فخ التضليل أو خطاب الكراهية، كما حصل في مناطق شهدت نزاعاً مثل السويداء وحلب ومنطقة الجزيرة السورية، حيث قد ينزلق صانع المحتوى أحياناً، من دون دراسة كافية، إلى خطاب كراهية أو تضليل إعلامي.
جدل حول المشاركة بصياغة المدونة
العمل على صياغة المدونة لم يكن يسيراً كما يُتخيل، إذ أثارت مشاركة البعض في صياغتها جدلاً، خاصة لدى أصحاب المؤسسات الإعلامية المستقلة وغيرهم، حيث ذكر رئيس مجلس إدارة هيئة ميثاق شرف الإعلاميين السوريين، أكرم الأحمد، خلال جلسة حوارية عُقدت ضمن حفل الإطلاق، أنه تعرض لانتقادات من بعض الأعضاء الذين تساءلوا عن جدوى وجود مدونة جديدة إلى جانب الميثاق، لافتاً إلى أن الميثاق كان يقتصر على عدد محدود من المؤسسات، فيما تتطلب المرحلة الراهنة وثيقة وطنية شاملة.
وصرح الأحمد لـ”الثورة السورية” أن محاولات إنتاج مدونات سلوك وقواعد مهنية للعمل الصحفي في سوريا ليست جديدة، إذ بدأت أواخر عام 2014 مع إصدار “مدونة السلوك وميثاق شرف الإعلاميين السوريين”، الذي أنتجه الإعلام المستقل خارج سلطة النظام المخلوع آنذاك.
وأشار إلى أن ذلك الميثاق، الذي أُعلن عنه رسمياً عام 2015، شكل الأساس الذي استندت إليه المدونة الحالية، حيث بُني الميثاق الوطني الراهن على ما أُنجز في المراحل السابقة، مستفيداً من الخبرات المتراكمة خلال عشر سنوات من عمر ميثاق الشرف السوري، والتي جرى توظيفها في إنتاج المدونة وميثاق الشرف الوطني الحالي على مستوى سوريا.
وكذلك أثارت مشاركة مؤسسة روزنا، كمؤسسة مستقلة، في صياغة المدونة جدلاً داخلياً نظراً للحساسية المرتبطة بمفهوم تأثير الشراكة مع الحكومة على الاستقلالية، بحسب ما ذكرت رئيسة تحرير راديو روزنا، لجين حاج يوسف، خلال الجلسة الحوارية، مشيرةً إلى أن المؤسسة كانت من أوائل الموقعين على ميثاق الشرف، كما سبق أن طورت مدونة خاصة بها.
ورداً على التساؤلات حول ما إذا كان الالتزام بالمدونة سيفرض قيوداً على الصحفيين، أوضحت حاج يوسف، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن الخط الفاصل بين التنظيم والتقييد يتمثل في الالتزام بالمعايير الدولية التي تحمي حرية الصحافة وتدعمها، مبينة أن المدونة تراعي هذه الحدود بدقة، غير أن بعض العاملين في المجال الإعلامي وصنّاع المحتوى قد يعتقدون أنها تفرض قيوداً، انطلاقاً من تصور شائع مفاده أن أي معلومة يمكن بثها أو نشرها دون ضوابط.
وأضافت أن مدونة السلوك تهدف إلى تقويم العمل الصحفي وتهذيبه وفق أسس مهنية، مع الالتزام بالقيم الأخلاقية المرتبطة بمتابعة وتدقيق التقارير الصحفية، مبينة أن للنص والصورة مكانة واحتراماً في العمل الصحفي، وأن النص ليس مجرد تجميع معلومات، بل يخضع لمعايير دقيقة، كما أن للصورة ضوابط أخلاقية تشمل الموافقة المستنيرة وما يندرج تحتها من مبادئ، لذا فإن الالتزام بهذه المعايير يحمي الصحفي بالدرجة الأولى، وتجاهلها قد يضعه في مواجهة القانون نتيجة عدم احترام البنود الأخلاقية.
وأشارت حاج يوسف إلى أهمية وجود هيئة ناظمة لعمل صنّاع المحتوى، على غرار التجارب المعتمدة في دول أخرى، مشددة على أنه لا مجال للانفلات بحجة امتلاك مساحة أوسع للتعبير، إذ تبقى المعايير الأخلاقية والضوابط المهنية واجبة المراعاة في جميع الأحوال.
الصحفيون وصنّاع المحتوى.. المدونة خارطة طريق
استطلعت “الثورة السورية” آراء عدد من الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، حيث رفض بعضهم إبداء رأيه لحين قراءة المدونة ومعرفة بنودها، معتبرين أن ما ذُكر فقط خلال المؤتمر لا يُبنى عليه رأي واضح تجاه الموضوع، في المقابل تحدثنا إلى عدد منهم ممن أبدوا آراءهم، حيث ذكرت هبة بركات، صحفية مستقلة، أن التنوع في المشاركة بجلسات صياغة المدونة أمر هام، في ظل التصاعد الملحوظ للانتهاكات والتجاوزات التي تحصل على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الفضاء الرقمي، سواء من بعض المحسوبين على الصحافة أو من صنّاع المحتوى.
ولفتت إلى أن المدونة تقوم على مبدأ الضبط الذاتي، إذ لا توجد جهة رقابية أو طرف سيحاسب الآخرين بموجبها، بل هي التزام طوعي من العاملين في المجال الإعلامي، مضيفةً أن وجود مدونة سلوك مهني من شأنه أن يدفع العاملين، سواء كانوا صحفيين أو صنّاع محتوى، إلى الالتزام بها بما يمنح عملهم صفة أكثر رسمية ومهنية.
ومن جهته، علّق ليث دغيم، صحفي في قناة الإخبارية، على إطلاق مدونة السلوك الإعلامي بأنه خطوة إيجابية في ظل الواقع الإعلامي في سوريا، إذ يحتاج الصحفي إلى مبادئ واضحة للسير عليها وضوابط أخلاقية يلتزم بها، سواء كان يعمل ضمن مؤسسة إعلامية ويلتزم بأنظمتها الإدارية، أو كان صحفياً مستقلاً يلتزم بها على المستوى الشخصي.
وفيما يتعلق بالفاصل بين تقييد العمل الإعلامي وحرية التعبير، أشار دغيم إلى أن المدونة ليست ملزمة، وإنما تشكل مساراً أخلاقياً يسير عليه الصحفي، لافتاً إلى وجود هامش بينها وبين قانون الإعلام.
وفي سياق آخر، شهد حفل إطلاق مدونة السلوك الإعلامي توقيع مديري المؤسسات الإعلامية الحكومية على الوثيقة، بدأ بمدير عام الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون علاء برسيلو، ومدير عام الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) زياد المحاميد، ومدير عام مؤسسة الوحدة خالد الخلف، وجميل السرور مدير عام الإخبارية السورية، إلى جانب مدير عام إذاعة دمشق محمد الشيخ، ورئيس تحرير صحيفة الثورة السورية نور الدين الإسماعيل، ورئيس تحرير الوكالة العربية السورية للأنباء عمر فرعون.
ما جرى إعلانه ليس وثيقة وحسب، بحسب المشاركين والمتحدثين، وإنما هو ترسيخ لثقافة تجعل الحرية مسؤولية واعية والمهنية أساساً للثقة، وتعزز دور الإعلام كشريك في حماية السلم المجتمعي وصون كرامة الإنسان.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)


































































































