عبد الله عبدون – كاتب سوري
تظل الدولة التي تستنبط مشروعيتها من صميم إرادة شعبها، وتستمد صلابتها من تفاعلها الحيوي مع نبض الشارع ورضاه العام، عصية على التصدع أمام موجات التحديات الداخلية والخارجية المتصاعدة. هذه الحقيقة الجوهرية، التي تتجلى بوضوح في حقل التحليل السياسي الدولي، تؤكد أن العمق الاستراتيجي الحقيقي لأي نظام حكم يكمن في مدى تجذره في القاعدة الشعبية، وفي صلابة المؤسسات التي تحتضن تطلعاتها وتصون حقوقها الأساسية. أما تلك الكيانات السياسية التي تعيش على هامش الدعم الخارجي، وتقتات على فتات التحالفات الدولية المتقلبة، فإن مصيرها يبقى رهنًا بتقلبات الخريطة الجيوسياسية العالمية، وعرضة للانكفاء مع أول تحول في موازين القوى الإقليمية والدولية.
إن الشرعية الداخلية ليست مجرد مفهوم قانوني أو خطابًا دعائيًا يُستهلك في المحافل الرسمية، بل هي واقع سياسي بنيوي يتجسد في علاقة تفاعلية مستمرة بين السلطة والمجتمع. إنها تتأصل في إدراك المواطنين لعدالة النظام السياسي، وفي شعورهم بالمشاركة الفاعلة في رسم السياسات العامة التي تمس جوهر حياتهم ومستقبل أجيالهم. تتغذى هذه الشرعية من سَوْدَدَة القانون على الجميع دون استثناء، ومن تكافؤ الفرص المتاح لكافة شرائح المجتمع، ومن آليات المساءلة الفعالة للمؤسسات والأفراد القائمين على السلطة، ومن ضمان الحريات المدنية والسياسية التي تحفظ كرامة الإنسان وتطلق طاقاته الإنتاجية. عندما يستشعر المواطن أن دولته هي الحاضنة الأمينة والحصن الواقي لمصالحه وحقوقه، وأنه ليس مجرد رقم في سجلات الدولة بل فاعل أساسي في بناء مستقبل الوطن، فإنه يتحول إلى خط الدفاع الأول عن سيادة الدولة واستقرارها الداخلي والخارجي.
وفي هذا السياق الجيوسياسي المعقد، تتبدى الأهمية القصوى للمؤسسات الوطنية الراسخة كضمانة بنيوية لاستدامة النظام السياسي وتعزيز شرعيته. هذه المؤسسات، التي تشمل القضاء المستقل والنزيه، والجهاز التنفيذي الكفء والمسؤول، تمثل الركيزة الأساسية لترسيخ دعائم الشرعية .. و عندما يثق الرأي العام في نزاهة هذه المؤسسات وقدرتها على أداء وظائفها بكفاءة وفاعلية، فإن ذلك يعزز من شعوره بالانتماء والولاء للدولة، ويحصنها ضد محاولات تقويض الاستقرار والتدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر.
أما الحصافة الاستراتيجية في إدارة العلاقات الدولية، فهي البوصلة التي توجه السياسة الخارجية للدولة ذات الشرعية المتأصلة.. إنها القدرة على بناء شبكة من العلاقات المتوازنة والمتينة مع مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين، بعيدا عن سياسة الاستقطاب الحاد والارتهان الكامل لأجندات خارجية… هذه الحصافة تستلزم فهما معمقا للمصالح الوطنية العليا، والقدرة على المناورة الدبلوماسية لحماية هذه المصالح وتجنب الوقوع في براثن الصراعات الجيوسياسية المعقدة … الدولة التي تتمتع بشرعية داخلية قوية تكون أكثر قدرة على فرض احترامها على الساحة الدولية، والتعبير عن مصالحها بثقة واستقلالية، والمساهمة بفاعلية في تشكيل نظام دولي أكثر استقرارًا وعدالة.
في المحصلة، يمكن التأكيد على أن الشرعية الداخلية المتينة، المستندة إلى رضا الشعب ورسوخ المؤسسات وحصافة القيادة في إدارة السياسة الخارجية، هي الحائط الاستراتيجي للدولة في وجه التقلبات والتحديات.
وإنها الضمانة الأكيدة لاستقرارها وازدهارها وقدرتها على الحفاظ على سيادتها ومصالحها الوطنية العليا في وجه المتغيرات الإقليمية والدولية … أما التعويل على الدعم الخارجي وحده، فهو وهم استراتيجي ومصير معلق على أهواء الآخرين، ولا يمكن أن يبني دولة قوية أو يضمن مستقبلا مستداما لشعبها في ظل نظام دولي يموج بالتحولات والتحديات … و إن القوة الحقيقية تنبع من الداخل، ومن العلاقة التكاملية بين القيادة والقاعدة الشعبية، ومن المؤسسات القادرة على تحقيق تطلعات هذا الشعب وصيانة حقوقه في إطار من العدل والمساواة وسيادة القانون.


































































































