بلال الخلف (دمشق) – تفاصيل برس
شهد شهر أيار/مايو الجاري تطورات دراماتيكية في المشهد السوري، يمكن وصفها دون مبالغة بـ”قفزات مفصلية”، قلبت المشهد الإقليمي والدولي رأساً على عقب، وجعلت من سوريا مركزاً لحراك دبلوماسي واقتصادي غير مسبوق منذ أكثر من عقد.
استهلت باريس الشهر بإعلان رسمي عن تولي شركة CMA CGM الفرنسية تشغيل محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية، بموجب اتفاق وُقّع في مراسم رسمية، ليشكّل أول دخول استثماري أوروبي واسع النطاق إلى البنية التحتية السورية منذ اندلاع الحرب. ويعزز هذا الاتفاق الدور الفرنسي في إعادة إعمار سوريا، من بوابة الاقتصاد.
وفي تطور لافت، استقبل الرئيس إيمانويل ماكرون نظيره السوري أحمد الشرع في قصر الإليزيه، في أول لقاء رسمي بين رئيسي الدولتين منذ عام 2011، ما اعتُبر إعلاناً صريحاً عن نهاية العزلة الدبلوماسية الغربية المفروضة على دمشق.
وفي سياق متصل، بدأ جان باتيست فافر، القائم بالأعمال الجديد للسفارة الفرنسية في دمشق، مهامه رسمياً، ليُشكّل خطوة نحو إعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل.
الولايات المتحدة تكسر الجليد
على الجانب الأميركي، كان التطور الأكبر إعلان الرئيس دونالد ترامب رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في قرار وصفه مراقبون بأنه نقطة تحول حاسمة في علاقة واشنطن بدمشق.
وأعقب القرار لقاء تاريخي جمع ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، رعته المملكة العربية السعودية، في مشهد حمل الكثير من الرمزية السياسية ورسائل إعادة التموضع الإقليمي والدولي.
اطلع على: مستثمرون يتطلعون للاستثمار بسوريا بعد رفع العقوبات
كما التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، نظيره السوري أسعد الشيباني في أنطاليا التركية، معلناً دعم واشنطن لمسار جديد من العلاقات، وفتح أبواب التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين.
بريطانيا تنسحب من خانة العقوبات
بدورها، أعلنت بريطانيا رفع عقوباتها المفروضة على سوريا، وأرسلت وفداً رسمياً إلى دمشق للقاء اللواء أبو قصرة، أحد أبرز قادة المرحلة الانتقالية، لبحث خطوات إعادة هيكلة الجيش السوري ضمن رؤية موحدة تراعي التوازنات الداخلية والدولية.
الخليج يتقدم نحو المصالحة الشاملة
في الساحة العربية، كانت الرياض الحاضنة الأبرز للتقارب، حيث رعت اللقاء التاريخي بين ترامب والشرع، في ظل تنسيق خليجي غير معلن أتاح لهذه القمة أن ترى النور.
من جانبها، مارست قطر ضغوطاً دبلوماسية مؤثرة داخل واشنطن أسهمت في تسريع قرار رفع العقوبات، وحصلت في المقابل على ضوء أخضر لتمويل رواتب القطاع العام في سوريا، في مساهمة مباشرة تهدف إلى دعم الاستقرار الداخلي.
قد يهمك: فرصة هائلة لتغيير مسار سوريا.. ليندسي غراهام يشيد باجتماع أنطاليا
أما الإمارات، فقد عززت حضورها الاستثماري في الساحل السوري عبر موانئ دبي العالمية، التي وقّعت اتفاقًا ضخمًا بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس، مع دور لافت في الوساطة غير المعلنة بين تل أبيب ودمشق.
تركيا.. الوسيط الصامت
لم تغب تركيا عن المشهد، بل لعبت دوراً جوهرياً من خلف الستار، إذ رعى الرئيس رجب طيب أردوغان لقاء ترامب – الشرع، فيما أدار وزير خارجيته هاكان فيدان لقاءً بالغ الحساسية بين الشيباني وروبيو في أنطاليا، وسط وعود تركية بإعادة صياغة العلاقة مع دمشق ضمن مقاربة أكثر براغماتية.
ملامح مرحلة جديدة
كل هذه التحركات مجتمعة، تشير إلى أن مايو/أيار 2025 سيكون شهراً مفصلياً في التاريخ السياسي الحديث لسوريا. انفتاح دبلوماسي غير مسبوق، تحولات اقتصادية جريئة، وتكثيف غير معهود للزيارات واللقاءات، كلها تصب في سياق إعادة تأهيل سوريا دولياً، وتهيئتها للعب دور مختلف في السنوات المقبلة.
ومع أن الطريق لا يزال طويلاً أمام التسوية الشاملة، فإن قفزات أيار وضعت الأساس لمسار جديد يتقاطع فيه الاقتصاد مع السياسة، وتلتقي فيه المصالح الدولية عند عقدة إقليمية طالما كانت مركزاً للصراع: سوريا.


































































































