بلال الخلف (دمشق) – تفاصيل برس
في خطوة مفاجئة وغير مألوفة، دعت وزارة الداخلية السورية شخصيات مدنية لحضور جلسة تشاورية استمرت أربع ساعات، شارك فيها وزير الداخلية نفسه، حيث عرض الخطوط العريضة لإصلاحات هيكلية وتحديثات في عمل الوزارة، تمهيدًا لاعتماد بنية جديدة تُبنى على “الشفافية، وفصل الأمن عن السياسة، واحترام الحقوق”.
الجلسة التي نقل تفاصيلها الأستاذ عارف الشعال، كشفت عن تحولات تبدو غير تقليدية في فلسفة العمل الأمني، أهمها:
تفكيك إرث الماضي
بدأ الوزير عرضه بإعلان إلغاء شعبة الأمن السياسي، في خطوة تعكس رغبة واضحة في طي صفحة أحد أكثر الأفرع الأمنية جدلًا في البلاد. وجاء هذا القرار كجزء من تغييرات أوسع، منها تغيير اسم “إدارة الأمن الجنائي” إلى “إدارة المباحث الجنائية” مع منحها طابعًا تقنيًا، واستحداث إدارة متخصصة بمكافحة الإرهاب، مع الحفاظ على الإدارات العاملة في مكافحة المخدرات والاتجار بالبشر.
ولم تقتصر التغييرات على التسمية، بل امتدت إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه، حيث تم استبدال مصطلح “الأمن العام” بـ”الأمن الداخلي”، وتعيين مديرين على مستوى المحافظات والمناطق الإدارية، فيما أُلغي منصب مدير المنطقة كضابط أمن، ليحل محله موظف مدني تابع للمحافظ، في محاولة واضحة لتقليل الاحتكاك الأمني بالمواطنين.
التحول الرقمي: الخدمات بلمسة إلكترونية
واحدة من المفاجآت تمثلت في إعلان الوزارة عن العمل على رقمنة جميع خدماتها بالتعاون مع شركات دولية، حيث سيتمكن المواطن من إنجاز معاملاته واستخراج وثائقه الرسمية عبر تطبيق إلكتروني موحد، وهي خطوة طال انتظارها وقد تغيّر علاقة المواطن بالدوائر الحكومية إلى الأبد.
عودة مدروسة للعناصر السابقين
تطرقت الجلسة أيضًا إلى خطة لإعادة دمج بعض عناصر الداخلية السابقين ممن يمتلكون سجلًا مهنيًا نظيفًا، لا سيما في أقسام المرور والجوازات والجرائم الإلكترونية، والتي استعادت بالفعل بعض مهندسيها في الأشهر الأخيرة.
السجل المدني: بداية التجربة بعد العيد
الوزارة تعمل حاليًا على إطلاق تجربة رقمية جديدة لتسجيل الواقعات المدنية إلكترونيًا، مثل الولادة والوفاة والزواج، إلا أن تحديات تقنية لا تزال تواجه المشروع. التجربة الأولى ستنطلق بعد عيد الأضحى، كبداية نحو أرشفة إلكترونية شاملة.
تشريعات تحت المجهر
من أبرز ما كشفته الجلسة، مشروع لتعديل قانون السجون القديم ليتماشى مع المعايير الدولية، بالإضافة إلى طرح مبدأ حضور المحامي أثناء التحقيقات الجنائية، وربما حتى الأمنية مستقبلاً، وهو ما قد يشكل تحولًا قانونيًا لافتًا في العلاقة بين المواطن وجهاز العدالة.
ملفات المطلوبين: تسويات على نار حامية
بأرقام دقيقة، أعلنت الوزارة أن أكثر من 8.2 مليون مواطن كانوا مطلوبين أو ممنوعين من السفر زمن النظام السابق، مشيرة إلى حذف 5.2 مليون اسم ممنوع لأسباب تتعلق بالخدمة العسكرية. العمل جارٍ على تسوية أوضاع 3 ملايين آخرين، من بينهم 1.13 مليون موظف حكومي، وهو ما قد يُعيد الملايين إلى الحياة العامة دون خوف من الملاحقة.
ملف الانتربول: طيّ صفحة المطاردات الخارجية
الجانب الخارجي لم يغب عن الطاولة؛ إذ تطرق الوزير إلى أن النظام السابق عمم أسماء المعارضين السوريين على الإنتربول، وسلم لبنان قوائم بأكثر من مليوني مطلوب، مؤكداً أن الوزارة تعمل اليوم على استعادة المعتقلين السوريين في سجن رومية، وإغلاق هذا الملف الشائك.
هل نحن أمام تحول حقيقي؟
ما خرجت به الجلسة لا يُعدّ قليلًا: رؤية مختلفة، خطاب جديد، ومحاولة جدية لتغيير شكل وزارة ارتبط اسمها طويلاً بالقمع والتسلط. لكن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ. هل تتحول هذه الأفكار إلى واقع؟ هل سيشعر المواطن السوري، أخيرًا، بأن وزارة الداخلية وُجدت لخدمته لا لمراقبته؟
الأسابيع المقبلة ستُظهر ما إذا كان ما طُرح مجرد ورقٍ جميل.. أم بداية لمسارٍ أمني مدني حقيقي في سوريا ما بعد الحرب.


































































































