دانا برجاس – تفاصيل برس
بعد غياب دام أكثر من 16 عاماً، زار وفد صندوق النقد الدولي مجدداً في العاصمة السورية دمشق، حاملاً أجندة فنية لتقييم الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد التي عانت من حرب مدمرة وعقوبات خانقة وانهيار شبه كامل في البنى التحتية والمؤسسات.
الزيارة، التي لاقت اهتماماً واسعاً داخلياً وخارجياً، فتحت باب التساؤلات: هل تمثل تحولاً في تعاطي المؤسسات المالية الدولية مع سوريا؟ أم أنها مجرد خطوة تمهيدية بلا أثر قريب؟
وفي تصريح خاص لـ”تفاصيل برس”، أوضحت وزيرة الاقتصاد السورية السابقة، الدكتورة لمياء عاصي، أن زيارة بعثة صندوق النقد الدولي تُعد زيارة أولية تهدف إلى جمع معلومات فنية لتقييم الواقع الاقتصادي في سوريا، وهي لا تنطوي على ما يثير القلق بشأن الدخول في دائرة المديونية أو الخضوع لشروط قاسية، كما يُخشى عادة من التعامل مع الصندوق.
وأضافت أن البعثة أعلنت أن الهدف الرئيسي من زيارتها هو تقييم الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة في البلاد، في ضوء التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا.
وبيّنت أن التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري كبيرة جداً، من بينها الانكماش الحاد في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع معدلات الفقر، وضعف المؤسسات الحكومية، إلى جانب الدمار الواسع في البنية التحتية.
مقترحات لإعادة تأهيل الاقتصاد
وبيّنت عاصي أن بعثة الصندوق اقترحت مجموعة من السياسات التي اعتبرتها أولويات لإعادة تأهيل الاقتصاد السوري. من بين هذه الأولويات اعتماد موازنة عامة للدولة لما تبقى من عام 2025، تضمن تلبية الإنفاق الأساسي مثل الرواتب والخدمات الصحية والتعليمية، بالإضافة إلى رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وزيادة الإيرادات العامة من خلال تحديث النظامين الضريبي والجمركي.
كما تضمنت المقترحات تعزيز استقلالية البنك المركزي وتمكينه من ضمان استقرار الأسعار، وخاصة سعر الصرف، في محاولة لاستعادة الثقة بالعملة الوطنية. وشملت أيضاً إعادة تأهيل النظام المصرفي وتطوير أنظمة الدفع، إلى جانب تعزيز نظم مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تمهيداً لإعادة ربط سوريا بالنظام المالي العالمي عبر منصة “سويفت”.
وشددت بعثة الصندوق كذلك على ضرورة تحسين بيئة الاستثمار من خلال معالجة العراقيل التي تعيق نمو القطاع الخاص، والعمل على جذب رؤوس الأموال الأجنبية. كما أكدت أهمية تطوير آليات جمع البيانات الاقتصادية لدعم صنع السياسات وتعزيز قدرة الدولة على إدارة اقتصادها بكفاءة.
اقتصاد هش
البيان الرسمي الصادر عن صندوق النقد الدولي بعد اختتام الزيارة أوضح أن الغرض الرئيسي من المهمة هو تقييم الظروف الاقتصادية والمالية في سوريا بعد التغيرات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن سوريا تواجه تحديات هائلة، من بينها تدهور الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاع معدلات الفقر، ضعف مؤسسات الدولة، وتضرر واسع للبنية التحتية، إلى جانب نزوح ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها.
وأكد الصندوق أن الهدف هو رسم خارطة طريق أولية لإصلاحات اقتصادية ممكنة، تشمل اعتماد موازنة عامة لما تبقى من عام 2025 تركّز على دعم رواتب الموظفين، وتمويل الخدمات الصحية والتعليمية، ومساعدة الفئات الأكثر ضعفاً، إلى جانب تحسين تعبئة الإيرادات العامة، وتطوير الإدارة المالية، وتوحيد الرقابة المالية بيد وزارة المالية.
نقد وسيولة
كما تناولت النقاشات أهمية تمكين البنك المركزي من ضمان استقرار الأسعار وسعر الصرف، واستعادة الثقة بالعملة الوطنية عبر سياسة نقدية ملائمة. وأُعطي اهتمام خاص لإعادة تأهيل النظام المصرفي وتعزيز كفاءة أنظمة الدفع، وإعادة الاتصال بالنظام المالي الدولي، مع تحديث نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
الزيارة التي قادها رئيس البعثة رون فان رودن تضمنت لقاءات مع الجهات الحكومية السورية لمناقشة دعم المؤسسات الاقتصادية، وعلى رأسها وزارة المالية والمصرف المركزي وهيئة الإحصاء. وأكد الصندوق التزامه بمساعدة سوريا على بناء قدراتها التقنية وتحديث بنيتها الإدارية والمالية، بالتنسيق مع شركاء التنمية الدوليين، مع الأخذ بعين الاعتبار القيود المفروضة على الطاقة الاستيعابية للجهات المحلية.
دعم العودة
وفي تعليق لافت، قال رئيس بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا، غونزالو فارغاس يوسا، عبر منصة X: “سعيد جداً برؤية نتائج أول زيارة لصندوق النقد الدولي إلى سوريا منذ عام 2009″، مشيراً إلى أن دعم المؤسسات المالية والبنوك الإنمائية يعتبر أساسياً لتمكين العودة الطوعية والمستدامة للاجئين.
وبينما لم تُعلن دمشق عن تفاصيل إضافية، إلا أن البيان ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية التعاون المستقبلي، مع التأكيد على أن سوريا ستحتاج إلى دعم مالي دولي بشروط ميسرة، ومساعدات فنية واسعة لتعزيز قدراتها الاقتصادية.
ورغم أن الزيارة لا تعني انخراطاً مباشراً في برامج تمويل، إلا أنها تؤسس لمرحلة جديدة من الحوار، وربما من الانفتاح المشروط بين دمشق والمؤسسات المالية الدولية.
تساؤلات مفتوحة
في النهاية، تبقى الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه الزيارة ستُترجم فعلياً إلى خطوات ملموسة تعزز الاستقرار الاقتصادي، أم أنها ستبقى مجرد “إشارات إيجابية” في سياق طويل ومعقّد من التعافي.


































































































