بارعة جمعة – تفاصيل برس
حمل القرارين الأمريكي – الأوروبي اللذين قضيا برفع العقوبات عن سوريا، نوعاً من الراحة ومؤشراً للبدء بإعمار سوريا من جديد، بعد سنوات من تقييد قاعدة الهرم الاقتصادي، لتبقى الخطوات العملية رهن الانتظار لحين ترتيب الأولويات والبدء بالعمل.
وتتباين الآراء حول آلية القيام بمشاريع إعادة الإعمار، التي كشفت احصائيات عدة عن تجاوزها تريليونات الدولارات، والحاجة إلى تمويل أكبر مما هو متوقع لها، لتأتي تأكيدات الخبراء الاقتصاديين على أهمية تحرير الأموال والسيولة وتأمين بيئة تشريعية جاذبة للاستثمارات، بمثابة نقطة البدء بهذا المسار.
إعادة بناء القاعدة
يعاني هرم البناء الاقتصادي الجديد الذي كان رأسه العقوبات المفروضة على سوريا، التي جعلت من قاعدة الهرم مُقيّدة دون أي فاعلية، من تعقيد في بنية القوانين الناظمة لعمل الاستثمارات، وذلك بالتزامن مع إعلان الحكومة خططها الاستثمارية وتوجهاتها لإعادة إعمار سوريا.
إلا أن هذه القيود غير مستمرة، وستبدأ بالانحسار تدريجياً في المستقبل القريب برأي الخبير الاقتصادي أنس الفيومي، الذي أكد في حديثه لـ “تفاصيل برس” أهمية القرارين الأمريكي والأوروبي برفع العقوبات عن سوريا، وانتظار الخطوات العملية لهذين القرارين، التي تعد فرصة لمعالجة قاعدة الهرم وتهيئتها لمرحلة إعادة البناء.
ويشير الفيومي إلى أن إعادة البناء تتطلب توفر عدة عوامل، أهمها وجود تشريعات قانونية ومحفّزات حقيقية للاستثمار بعيداً عن البيروقراطية التي اعتادت عليها مؤسساتنا الرسمية المعنية بكل مفاصل الاستثمار الإنتاجي والسياحي والبنيوي، بالإضافة إلى تكريس عوامل الأمان، خاصة في المناطق المستهدفة لأي نشاط اقتصادي أو سياحي أو صناعي، وتنشيط آلية عمل المصارف ودفعها نحو تعديل أو إدراج تعليمات تتعلق بدعم أي نشاط استثماري قادم، لاسيما أنه وخلال فترة قريبة ستتم إعادة ربط سوريا بنظام “سويفت” العالمي، كما وعد حاكم مصرف سورية المركزي.
وفي الزاوية الأخيرة والمهمة في مربع القاعدة، يؤكد الفيومي على أن موضوع تحرير الأموال وتحسين الدخل أمر لا بد منه، فالمال هو عصب الاستثمار الأساسي ويمثل جهاز الدوران في الجسم الاقتصادي المُتهالك، وكلما كانت حركة دوران المال نشيطة وجيدة، كلما كان الجسم أكثر صحة وعافية.
مرحلة بناء وإعمار
أمام هذه المطالب التي وصفها الخبير الاقتصادي – مجازاً – بالنظرية يجد أن المرحلة القادمة هي مرحلة اعمار وبناء وليس إعادة تأهيل، فالحقيقة تقول بأن معظم المشاريع التي كان يبنى عليها في عهد نظام الأسد تعرضت السلب والنهب قبل أن يتم استثمارها، عدا عن العشوائيات في المدن والمخالفات وغيرها الكثير.
أما اليوم، مع الحاجة للبدء بالعمل، تبرز أهمية التوجه الحقيقي ووضع خارطة عمل تعتمد عليها الحكومة في دعم النشاط الاقتصادي، وهنا يتساءل الفيومي.. ما الذي نحتاجه اليوم؟! دعم القطاع الزراعي أم الصناعي أم السياحي أم الخدمي؟!!.
ويستدرك الفيومي.. اليوم نحن لسنا بحاجة لترتيب أولويات بأي نشاط، بل علينا البدء بالإعمار، وما نحتاجه هو دعم تشريعي وقانوني، تحرير المصارف، ضخ السيولة، إيجاد أرضية عمل مناسبة لكافة القطاعات، ليتم بعدها انطلاق قاطرة التطور والإعمار، كما ستكون في كل القطاعات بآن واحد، وخاصة إذا توفرت حوامل الطاقة.
دعم القطاع الصناعي
بدوره يوضح الخبير الاقتصادي فاخر قُربي في حديثه لـ “تفاصيل برس” أن تحقيق التنمية المستدامة هي أبرز متطلبات المرحلة القادمة، ما يقتضي وضع قوانين وتشريعات واضحة للمستثمرين، وضمان وجود بيئة تشريعية ناظمة، وتفعيل القوانين الموجودة ما قبل الأزمة، ووضع صيغ جديدة لدخول القطاع الخاص كشريك وطني للتنمية.
ومن جهة أخرى، يرى قُربي بأن السعي إلى قيام نظام للدعم الصناعي يرتبط بالجامعات ومؤسسات البحث والتطوير والتدريب والخدمات المالية والإدارية، وخدمات المعلومات والاتصالات والخدمات اللوجستية، مثل: تأمين المستودعات والنقل والشحن والتخليص الجمركي، وعلى المعنيين إيجاد نظام للدعم وتشجيعه ودعم وتطوير هذا النظام.
كما أن توفر البيئة الناظمة للتشريعات تعني بالضرورة تطوير المناخ الاستثماري في الصناعة، لأن الصناعة التحويلية ليست هي من يساهم بتلبية السوق المحلية وتوفير القطع الأجنبي اللازم للاستيراد، بل تحتاج رفع مستوى التشغيل والنشاط الاقتصادي، وتأمين فرص العمل، والأهم رفع مستوى التشغيل من خلال تأمين فرص العمل وتلبية احتياجات السوق المحلية، وإعادة تأهيل المدن الصناعية المدمرة، وتوفير الفرص لعودة المستثمرين، وكذلك إعطاء ميزات لرأس المال، وتأمين جاهزية المدن الصناعية والمناطق الحرفية تفادياً لعودة العشوائيات الصناعية، فما تحتاجه المناطق الصناعية اليوم هو أسس وعمليات إمداد وتسويق ومدخلات إنتاج لتكون الحامل لمجمل النشاط الصناعي.
تعديل السياسات المالية
وفي تعليقه على السياسات المالية المتبعة، يصف قُربي هذه السياسات بأنها من أهم المشكلات التي تستوجب الحل من دون الدخول في تفصيلها، مثل تحديد رؤوس أموال شركات القطاع العام، وحل مشكلة التشابكات المالية بين جهات القطاع العام المختلفة، إضافة إلى معالجة قضية الفارق بين السعر الاجتماعي الذي تحدده الدولة أحياناً لبعض السلع وهو أقل من سعر التكلفة، والسعر الاقتصادي الذي يحدده المنتج من التكلفة، إضافة إلى زيادة هامش الربح عن طريق إيجاد جهة أو صندوق يتولى تغطية هذا الفرق بالنسبة لهذه السلع.
ويضيف قربي: إن ضعف الترابط بين قطاعات الاقتصاد الوطني وحدوث اختناقات لدى بعضها، يعد من أهم مشكلات القطاع العام، كما أن الكثير من مخرجات بعض القطاعات الاقتصادية تستخدم مدخلات في القطاع الصناعي، بالمقابل فإن جزءاً مهماً من مخرجات قطاع الصناعة يوظّف كمدخلات في القطاعات الاقتصادية الأخرى من زراعة وبناء وتشييد ونقل ومواصلات.. وغيرها.
ويدعو الخبير الاقتصادي قُربي إلى إطلاق قانون جديد لوزارة الصناعة، يتناسب مع المهام الجديدة، بحيث تتحول من وزارة تقوم بمتابعة شؤون القطاع العام الصناعي إلى جهة ترسم سياسات وبرامج صناعية ومراقبة تطبيقها على مستوى سوريا، بكل ما تملكه من أدوات ومؤسسات داعمة
































































































