دانا برجاس- تفاصيل برس
في خطوة يُنظر إليها بإيجابية داخل الأوساط الزراعية، أعلنت الحكومة السورية تسعيرة القمح للموسم الحالي، مدعومة بمرسوم رئاسي يمنح مكافآت تشجيعية للمزارعين الملتزمين بتسليم محصولهم إلى المؤسسة السورية للحبوب.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار سعي الدولة لتعزيز الاستقرار الزراعي وتحفيز الفلاحين على الاستمرار في زراعة القمح، رغم التحديات المناخية واللوجستية التي أثّرت على الموسم الحالي.
وبينما يأمل الكثيرون أن تُسهم هذه القرارات في فتح صفحة جديدة من التعاون والثقة بين الفلاح والحكومة، يبقى الرهان الأكبر على استمرارية الدعم وتوفير مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب.
ووفقاً لما أكدته رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الاقتصاد والصناعة، فقد حُدّد سعر شراء القمح القاسي درجة أولى (دوكما) بـ 320 دولاراً للطن الواحد، في حين أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 78 لعام 2025، والذي يقضي بمنح كل مزارع يسلم محصوله إلى المؤسسة مكافأة تشجيعية بقيمة 130 دولاراً عن كل طن، ليرتفع بذلك العائد إلى 450 دولاراً للطن الواحد.
ضعف الإنتاج والتحدي الأكبر
ويُعتبر هذا السعر أفضل من تسعيرة العام الماضي التي لم تتجاوز في أفضل حالاتها 310 إلى 320 دولاراً شاملة أي حوافز، ما يشير إلى نية الحكومة تحسين عوائد الفلاح، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من الثقة بينه وبين مؤسسات الدولة الزراعية.
لكن هذا الإعلان الحكومي، رغم أهميته، جاء متأخراً، أي بعد انطلاق موسم التسويق فعلياً، الأمر الذي جعل كثيراً من الفلاحين يتريثون في تسليم إنتاجهم بانتظار وضوح الصورة.
رغم التسعير المحفز، فإن التحدي الأكبر يبقى في ضعف الإنتاج نفسه، حيث يُجمع المعنيون على أن موسم 2025 يعاني من تراجع كبير.
وبحسب مصادر في وزارة الزراعة، فإن إنتاجية الدونم الواحد هذا العام قد تتراوح بين 100 إلى 200 كيلوغرام فقط، في حين كانت في المواسم الجيدة تتراوح بين 500 و600 كيلوغرام.
هذا التراجع الحاد مردّه إلى الجفاف الشديد، نقص الأمطار، ارتفاع كلفة المازوت، قلة الأسمدة، وانقطاع الكهرباء الذي أعاق تشغيل الآبار.
الأمر لا يقتصر على ضعف الإنتاج، بل يمتد إلى تراجع المساحات المزروعة نفسها. فقد تراجعت المساحات المزروعة بالقمح في ريف دمشق من 18,609 هكتارات العام الماضي إلى نحو 6,560 هكتاراً فقط هذا الموسم، أي ما يعادل الثلث.
حيث أن نصف هذه المساحات المزروعة قد تُركت للرعي نتيجة صعوبة العناية بالمحصول وتراجع الجدوى الاقتصادية في ظل الإهمال المزمن للمحصول الإستراتيجي من قبل الإدارات السابقة.
محاولة حكومية للتحفيز
في حين صرح مدير عام المؤسسة السورية للحبوب المهندس حسن العثمان لوسائل إعلام محلية أن قرار التسعير ومرسوم المكافأة يمثلان “محاولة حكومية جادة لتحفيز الفلاحين على تسليم محاصيلهم واستمرارهم بزراعة القمح”، مشيراً إلى أن تسعير الكيلوغرام الواحد تم بعد احتساب التكاليف الحقيقية للإنتاج.
وأضاف العثمان أن المؤسسة قسمت القمح إلى درجات وفق معايير الجودة، مع تطبيق حسميات تتعلق بالأتربة والشوائب والثقل النوعي، وذلك لتحقيق العدالة في التسعير. لكنه لم يُخفِ أن “الكميات المتوقعة هذا الموسم ستكون متواضعة جداً مقارنة بالسنوات الماضية، وقد لا تتجاوز ربع الإنتاج المعتاد بسبب موجة الجفاف التي طالت البلاد، وبعض دول الجوار كالأردن والعراق”.
إلى أين تتجه زراعة القمح؟
وبالرغم أن التسعيرة الجديدة والمكافأة المالية يشكلان حافزاً معقولاً، إلا أن عودة الفلاحين إلى زراعة القمح تحتاج إلى ما هو أبعد من القرارات الظرفية. إذ تشير كل المؤشرات إلى أن مواسم القمح تتراجع عاماً بعد عام، سواء من حيث الإنتاج أو من حيث الثقة بالعملية التسويقية ككل.
وختاماً، يتطلب إنقاذ هذا المحصول الاستراتيجي تخطيطاً طويل الأمد، وتأمين مستلزمات الإنتاج في وقتها، ودعماً فعلياً للفلاحين على الأرض، لا مجرد وعود مؤقتة. وإلا، فإن البلاد ستكون على أعتاب أزمة غذائية لا تعالجها أي مكافأة مالية مهما بلغت.


































































































