إبراهيم مخلص الجهني- تفاصيل برس
لم تلبث الأسواق الإقليمية أن تلتقط أنفاسها بعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب أعواماً من الحرب التجارية والاضطرابات النقدية، حتى اندلعت مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران، أشعلت فتيل أزمة اقتصادية مزدوجة دفعت الجانبين إلى حافة الارتباك المالي، وامتدت ارتداداتها إلى الأسواق العالمية التي كانت أصلاً مترنحة تحت وطأة الحروب السابقة، ورسوم الجمارك، وصدمات الطاقة.
في تل أبيب، استقبلت البورصة أول أيام الحرب بانخفاض حاد بلغت نسبته 3.64 في المئة، متراجعة إلى نحو 5830 نقطة. وجاءت هذه الخسائر السريعة كمؤشر أولي على هشاشة ثقة المستثمرين، وسط تصاعد التوترات واحتمالات الانزلاق إلى حرب شاملة، فالتراجع لم يكن محصوراً في السوق المالية، بل انسحب مباشرة على سعر صرف الشيكل، الذي فقد 1.72 بالمئة من قيمته أمام الدولار خلال ساعات، ليستقر عند أدنى مستوى له منذ أكثر من عامين، عند حدود 3.6 شيكل للدولار الواحد.
الذعر الاستهلاكي
ورافق التدهور في المؤشرات الاقتصادية، هلع داخلي واسع النطاق، تمثل في مشاهد تهافت المواطنين الإسرائيليين على المتاجر، ومقاطع مصورة تم تداولها على نطاق واسع، أظهرت متسوقين يفرغون رفوف سلسلة كارفور من الماء والخبز وحفاضات الأطفال، وأعلنت الشركة عن ارتفاع غير مسبوق في عدد الزبائن بنسبة فاقت 300 في المئة خلال صباح اليوم نفسه، في سلوك استهلاكي يعكس القلق من حرب قد تطول، ويعزز الانكماش الداخلي في زمن تضخم مستقر نسبياً، بلغ 3.6 بالمئة في نيسان الماضي، مقارنة بـ 3.3 في أذار.
تراجع النمو الإسرائيلي
الوضع الاقتصادي في إسرائيل، وإن كان يبدو أكثر تماسكاً، إلا أنه لا يخلو من علامات ضعف، فقد تباطأ النمو إلى 0.9 في المئة فقط خلال العام 2024، مقارنة بـ 1.8 في المئة في العام السابق، ورغم أن بنك إسرائيل أبقى على سعر الفائدة عند 4.5 بالمئة للاجتماع الحادي عشر على التوالي، فإن وتيرة التباطؤ تجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات في حال استمرار التوتر العسكري.
إيران.. الريال تحت القصف
في المقابل، جاءت الضربات الإسرائيلية كصاعقة اقتصادية في سماء إيرانية ملبدة أصلا. إذ هوت العملة المحلية، الريال الإيراني، إلى مستويات غير مسبوقة خلال ساعات من إعلان الضربات، فقد ارتفع سعر الدولار إلى 97 ألف تومان في السوق الرسمية، مقارنة بـ 83 ألفا مساء اليوم السابق.
هذا الانهيار السريع يعكس هشاشة البنية النقدية، ويضاعف من فقدان الثقة في قدرة الحكومة على السيطرة، خصوصاً بعد أعوام من العقوبات، وعزلة مالية خانقة، ورغم أن الريال كان قد بدأ مسلسل تراجعه منذ 2018 مع عودة العقوبات الأميركية في عهد ترامب، فإن ما يحدث الآن يبدو أكثر كارثية.
في السوق السوداء، تجاوز الدولار حاجز 920 ألف ريال، ما يضعف القوة الشرائية للمواطنين ويزيد من لجوئهم إلى الذهب والعملات الأجنبية كملاذ آمنة، في وقت تجاوز فيه التضخم حاجز الـ 35 في المئة، وفق تقديرات غير رسمية، وسط صمت حكومي عن إعلان معدلات العام الحالي، فالأزمة في إيران ليست وليدة الضربة وحدها، بل هي نتاج تراكمي لاقتصاد مثقل بالعقوبات والتضخم وسوء إدارة الإيرادات النفطية، ووسط هذه الأجواء، عزل البرلمان الإيراني وزير الاقتصاد، عبد الناصر همتي، بعد أقل من عام على تشكيل الحكومة، في خطوة تكشف حجم التخبط السياسي في مواجهة الانهيار المالي.
اقتصادان في الميزان
كلا الاقتصادين – الإسرائيلي والإيراني – يواجهان الآن تحديات وجودية لا تتعلق بالحرب وحدها، بل بما كشفته هذه الحرب من ضعف داخلي متجذر، في إسرائيل، الاقتصاد عالي التقنية معرض لارتجاجات في السوق والعرض والطلب، أما في إيران، فالاقتصاد المركزي الخاضع للعقوبات يواجه أزمة ثقة لا يمكن للنفط وحده معالجتها.
وفي حين تطمح الحكومة الإيرانية لتحقيق نمو بنسبة 8 في المئة وفقا لرؤية الرئيس بزشكيان، فإن الواقع لا يشي إلا بالمزيد من الانكماش، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى تراجع النمو من 5 في المئة العام الماضي إلى 3.2 في المئة هذا العام، مع توقعات بمزيد من الانحدار.
أخيراً الحرب لا تصيب الجنود فقط، بل تنهش في جسد الاقتصاد، وتعيد ترتيب أولويات الدول بين ما هو أمني، وما هو معيشي، وما نشهده الآن ليس فقط صراعاً عسكرياً، بل اختباراً صارخاً لقدرة اقتصادين متنازعين على النجاة في ظل نيران مفتوحة، وثقة منهارة، وأسواق تترنح.


































































































