علي محمود سليمان – تفاصيل برس
صرح حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية في وقت سابق لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، “أن البلاد تتجه نحو تطبيق نظام التعويم المدار لعملتها المحلية، في خطوة تهدف إلى الحد من تدخل الصرافين في سوق الصرف، وتعزيز جهود توحيد الأسعار النقدية”.
وأوضح أن الخطة الجديدة تستهدف تمرير جميع عمليات التجارة الخارجية عبر القطاع المصرفي الرسمي، بما يؤدي إلى إلغاء الدور الذي ظلّ يلعبه الصرافون، الذين كانوا يتقاضون نحو 40 سنتاً عن كل دولار يدخل إلى سوريا.
تصريح الحاكم عن اتجاه البلاد إلى تطبيق نظام التعويم المدار شكل إشارات استفهام عن ماهية هذا النظام وما هي النتائج المتوقعة في حال تطبيقه في سوريا؟
“تفاصيل برس” تقدم توضيحاً بشكل مبسط عن نظام التعويم المدار، حيث أن الدول تختلف في كيفية إداراتها لسعر الصرف تبعاً لنظامها الاقتصادي والمالي، وباعتبار سعر صرف العملة الوطنية يُعد من أبرز المؤشرات التي تعكس قوة الاقتصاد الوطني، فإن أنظمة سعر الصرف تندرج ضمن ثلاثة نماذج رئيسية.
النماذج المالية
الأول: نظام سعر الصرف الثابت، حيث تقوم الدولة بتثبيت قيمة عملتها مقابل عملة أجنبية رئيسية مثل الدولار الأميركي، أو مقابل سلة من العملات. ويتطلب هذا النظام تدخلاً دائماً من البنك المركزي لضمان بقاء سعر العملة في نطاق محدد، من خلال عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية.
ويشكل احتياطي النقد الأجنبي المتآكل العقبة الأبرز أمام قدرة مصرف سوريا المركزي السوري على التدخل الفعّال عند الحاجة بحسب وكالة (رويترز).
الثاني: نظام سعر الصرف المرن، وفيه يتم تحديد سعر العملة بناءً على قوى العرض والطلب دون أي تدخل مباشر من البنك المركزي، مما يجعل السوق هي العامل الحاسم في تقلبات الأسعار.
الثالث: نظام سعر الصرف بالتعويم المدار، ويمثل هذا النظام صيغة وسطية بين النموذجين السابقين. إذ يُسمح لسعر الصرف بالتقلب وفقاً لقوى السوق، مع تدخل البنك المركزي عند الضرورة، لا سيما في حال حدوث ارتفاعات أو انخفاضات مفرطة من شأنها أن تُربك السوق المحلية.
عوامل النجاح
ويهدف التعويم المدار إلى تخفيف حدّة تقلبات أسعار الصرف، أو توجيهها نحو مستوى يخدم أهدافاً اقتصادية محددة، كدعم الصادرات أو كبح التضخم. ويعتمد نجاح هذا النظام على مجموعة من العوامل، منها:
• متانة الاقتصاد.
• حجم الاحتياطيات الأجنبية.
• فعالية السياسات النقدية والمالية.
• القدرة على تنفيذ إصلاحات هيكلية.
تجارب دول
وقد طبّقت دول عدة هذا النظام بدرجات متفاوتة من النجاح، مثل: الصين والهند، اللتين استفادتا من التعويم المدار في تعزيز التنافسية وزيادة الصادرات، إضافة إلى دول مثل جورجيا، رومانيا، سنغافورة، ماليزيا، تايلاند، الأرجنتين، إندونيسيا، الجزائر، والمغرب.
وفي سوريا سبق أن طبق نظام التعويم المدار في عام 2007 خلال فترة ما عُرف باقتصاد السوق الاجتماعي، الذي كان يمثل مزيجاً بين النمط الرأسمالي والمقاربة الاجتماعية، وذلك في محاولة لتقليل التأثير على الشرائح الفقيرة جراء تقلبات سعر الصرف.
المكاسب الممكنة
وحول تصريح حاكم مصرف سوريا المركزي أشار عدد من الخبراء الماليين إلى أن هناك عدة نتائج إيجابية ممكن تحقيقها بالإضافة لتحديدات تعيق تطبيق نظام التعويم المدار، ومن أبرزها:
إمكانية استقرار سعر الصرف حيث يسهم الربط بالدولار في استقرار أسعار السلع والخدمات، بالنظر إلى أن معظم المواد الأساسية مستوردة من الخارج، كما يُخفف من تقلبات سعر الليرة.
والحد من السوق السوداء حيث تعاني سوريا منذ سنوات من وجود سوق سوداء قوية لتداول العملات، وتطبيق التعويم المدار قد يؤدي إلى القضاء على الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء.
كما يمكن مكافحة التضخم، وجذب الاستثمارات من خلال تقليل مخاطر تقلبات سعر الصرف بالنسبة للمستثمرين، ما يساعد على تأمين الاحتياطات النقدية اللازمة للاستيراد.
التحديات المتوقعة
بالمقابل هناك عدة تحديات قد تُعيق نجاح هذه الخطوة، وأبرزها: أن هناك نقص الاحتياطات الأجنبية، إذ يُعد توفر احتياطي نقدي قوي شرطاً أساسياً لتدخل البنك المركزي عند الضرورة، وسوريا تُعاني حالياً من عجز حاد في هذا الجانب.
بالإضافة إلى ضعف قدرة البنك المركزي على فرض قراراته على شركات الصرافة، بسبب غياب السيطرة على أجزاء من الجغرافيا السورية، عدا عن التقلبات الحادة في سعر الصرف، في ظل بيئة اقتصادية هشّة.
والمخاوف من استنزاف الاحتياطي النقدي، حيث أن التدخل المتكرر في السوق يستهلك الاحتياطي المتاح، مما يهدد الاستقرار المالي على المدى القصير، بالأخص مع وجود بنية تحتية مصرفية ضعيفة، كون المصارف السورية بحاجة ماسة للتحديث والدعم الفني والتقني لتواكب متطلبات نظام أكثر مرونة.
ولا يخفى على أحد أن الاقتصاد السوري منهك بعد الحرب، ولذلك من الصعب نظام نقدي مرن في ظل اقتصاد هش يعاني من ضعف الإنتاج.
الخطوات المطلوبة
وبالمجمل فإن سعي مصرف سوريا المركزي لتطبيق نظام التعويم المدار يجب أن يسبقه جملة من الخطوات الضرورية والتي تتمثل في:
• إطلاق منصة رسمية لشراء الدولار من المواطنين بسعر قريب من سعر السوق الموازية، مع وضع سقوف وضوابط يومية تمنع المضاربات.
• توفير السيولة بالليرة السورية لتمويل عمليات الشراء، بدلاً من استخدام الاحتياطي النقدي بالدولار، مما يسهم في تنشيط الدورة النقدية داخلياً.
• توسيع قنوات التداول الرسمية من خلال دمج البنوك وشركات الصرافة المرخصة ضمن منظومة شفافة لإدارة الطلب على القطع الأجنبي.
ويبقى احتمال نجام تطبيق نظام التعويم المدار مرهون بمدى توفر الظروف المناسبة وأهمها الاستقرار السياسي وتوفر الاحتياطيات وقدرة مصرف سوريا المركزي على ضبط السوق.


































































































