حوار خاص أعدته (حلا طه) – تفاصيل برس
في هذا الحوار الخاص، نستضيف الدكتورة كندا جبور شاركت في سوريا مع جامعة ميغل ومع مجموعة من الناشطين الأكاديميين بحملة”seeds of change” لتأمين تبرعات لدعم الدراسة للطلاب اللاجئين ولاقت الحملة نجاح كبير تحت شعار “بمشاركتنا لهموم الانسانية نستطيع أن نحدث فارقا في حياة ومستقبل الآخرين.
الباحثة في النزاعات والمهتمة بالقضايا الحقوقية والاجتماعية، لنناقش معها انتقالها من عالم الطب إلى ساحات الفكر والنضال الحقوقي، كما نسلّط الضوء على رؤيتها لمفهوم العدالة الانتقالية في سوريا، وإمكانيات تحقيق المصالحة في وطن أنهكه الاستبداد.
– بداية دكتورة هل يمكنك أن تحدثينا عن خلفيتك الشخصية، وكيف انتقل اهتمامك من الطب إلى علم النزاعات؟
نشأتُ في خلفية علمية حيث درست الطب البشري وتخصصت في الطب المخبري بجانب مباشرتي التدريس الاكاديمي في كليه الصيدلة منذ عام 2000 وحتى عام 2012 عندما غادرت سوريا بعد تقديم استقالتي، وكانت مسيرتي المهنية في البداية مركّزه على المجال الصحي والطبي وبسبب دوراتي التدريبية في الولايات المتحدة كل سنه عدت وفي جوانحي شغف لتأسيس جمعية خيرية تهتم بالكشف المبكر عن سرطان الثدي وقمت بتأسيس عيادة مجهزة بكل أجهزة التصوير اللازمة لاجراء فحوصات كشف مبكر للسيدات في محافظه اللاذقية وفق توصيات الجمعية الأميركية لسرطان الثدي.
وكانت نتائجها والاقبال مميزاً جداً، في 2007 وما زالت لليوم وهذا كان بداية تماهي معلوماتي العلمية مع هموم مجتمعي وتحدياته وخاصة المرأة السورية التي كانت ومازالت سندا قويا في كفاح عائلتها ووطنها.
ومع الوقت، وخاصة مع اندلاع الثورة السورية، بدأتُ أدرك أنني مهتمة ليس فقط بعلاج الأجساد بل بفهم وعلاج جذور الصراعات الاجتماعية والسياسية التي تسبب الألم والمعاناة وتضرب عمق النسيج الوطني والإنساني.
هذا الإدراك قادني تدريجيًا نحو علم النزاعات كحقل دراسي وبحثي، قمت به في تحصيل ماجستير في حل النزاعات من جامعة أوتاوا، قمت بعدها بالتعمق في الدبلوماسية العالمية وحقوق الانسان في واشنطن ، وكلاهما حقل هام ينطبق على كل التحديات المجتمعية أو الصحية أو السياسية.
فقد كانت أطروحتي عن مدى صمود النظام الصحي خلال الثورة وبعدها. وخلال هذه الفترة تواصلت مع كثير من المنظمات الغربية والمحلية، وتعمق إحساسي بأهمية التمكن من استراتيجيات ودراسات السلام وآليات تطبيقها، ولا سيما أنني كنت شاهدة على الدمار الممتد على كافة أرجاء الوطن السوري.
– ما الذي دفعك لدراسة علم النزاعات بعد سنوات من التخصص في الطب؟ وهل لعبت الثورة السورية دورا في هذا التحول؟
المعاناة الطويلة للشعب السوري ونضاله لتحصيل الحرية والكرامة كانت حافزا كبيرا في التعلم و
البحث في جذور النزعات والسبل في التماس طرق أكثر فعالية لفهم الصراع ومعالجة نتائجه والعمل على حل تبعاته في كافة المجالات، وأن النهوض هو قدر المجتمعات الحيّة والمتنوعة، والشعب السوري الذي آمنت بنضاله يحق له تحقيق التحولات من عصور النزاعات إلى مراحل بناء سلامه وتطوره الذي يستحقه. نعم، كان للثورة
السورية دور كبير جدًا في إحداث هذا التحوّل لديّ، فقد شعرتُ أن مساهمتي يجب أن تتجاوز الجانب الصحي لتشمل الجانب الحقوقي والاجتماعي أيضًا، ولا سيما أن بناء مجتمع قوي يتلازم مع تأسيس نظام صحي قوي ومقاوم.
– بصفتك باحثة في النزاعات ومهتمة بالقضايا الحقوقية،كيف تنظرين إلى مفهوم “العدالة الانتقالية” في السياق السوري؟وهل تعتقدين أنه قابل للتطبيق؟
مفهوم ”العدالة الانتقالية“ في السياق السوري معقد للغاية، لكنه ضروري جدًا. أعتقد أنه قابل للتطبيق، ولكن بشروط؛ أهمها وجود إرادة سياسية ومجتمعية حقيقية لتحقيق العدالة، بالإضافة إلى دعم دولي واضح وفعّال. تحتاج سوريا إلى إطار شامل للعدالة يشمل الحقيقة، المحاسبة، والتعويض، وعدم تكرار الانتهاكات.
– بعد أكثر من عقد على انطلاقة الثورة السورية،ما الذي بقي ثابتاً في وجدانك كامرأة سورية مهتمة بالعدالة والسلام؟وما الذي تغير؟
بعد أكثر من عقد، بقي ثابتًا لديّ إيماني العميق بأهمية وقيمة الحرية والعدالة وأثرهما في إعادة البنية السورية لمصاف التقدم بالتخلص من آثار ما مرّ على الوطن بطريق علمي أساسه الإيمان والثقة بقدرة الشعب السوري على النهوض من جديد كل من موقعه ويدًا بيد، ورغبتي الملحّة في نجاح السوريين بتحقيق السلام السياسي والمجتمعي. أما ما تغيّر فهو فهمي الأعمق لتعقيدات الصراع وطول المسار الذي يتطلبه بناء السالم وتحقيق العدالة.
– يختزل البعض العدالة الانتقالية بالمحاسبة القضائية فقط،برأيك،ماهي الركائز الأساسية التي لايمكن لأي مشروع عدالة أن يتجاوزها؟
العدالة الانتقالية أوسع بكثير من مجرد المحاسبة القضائية. الركائز الأساسية التي لا يمكن تجاوزها تشمل الكشف عن الحقيقة، تحقيق المحاسبة القانونية، تقديم التعويضات للضحايا، وضمان إصلاح مؤسسات الدولة لمنع تكرار االنتهاكات.
– هل تعتقدين أن غياب التوثيق المؤسساتي للانتهاكات سيعقد من مسار العدالة مستقبلا؟أم أن الوقت لايزال متاحاً لبناء ملفات قانونية قوية؟
بالتأكيد، غياب التوثيق المؤسساتي يشكل تحديًا كبيرًا للمستقبل، لكنه ليس عائقًا مستحيلاً. ما زال الوقت متاحًا لبناء ملفات قانونية قوية،والمطلوب هو جهود ممنهجة لجمع وحفظ الأدلة وتدريب كوادر متخصصة
في هذا المجال.
– كيف ترين دور السوريين من خلفيات علمية ومهنية مختلفة في الداخل والخارج،في المساهمة بصياغة تصور لمرحلة مابعد الاستبداد؟وهل هناك جهود تشبيح حقيقية برأيك؟
للسوريين من خلفيات علمية ومهنية دور حاسم في صياغة مستقبل سوريا ما بعدالاستبداد. هناك محاولات جيدة للتشبيك والتنسيق بين السوريين في الداخل والخارج، لكننا بحاجة إلى مزيد من الجهودالجماعية، وخصوصًا جهود منظمة وفعّالة تشمل الجميع.
كندا جبور الانسانة من الثورو ،ماذا أخذت؟وماذا تركت لك من أسئلة لم تجب بعد؟
أخذت من الثورة معنى حقيقيًا للانتماء والأمل في مستقبل أفضل. لكنها تركت لديّ العديد من الأسئلة التي لم أجد لها إجابات بعد، مثل كيف نضمن بناء مجتمع مستدام ومتصالح قادر على تجاوز جراح الماضي بشكل حقيقي وعادل؟
أخيراً،إذا كتب لسوريا أن تدخل مساراً جادّاً نحو العدالة والمصالحة،ماهي النصيحة الأخلاقية والمعرفية الأولى التي يجب أن يلتزم بها هذا المسار؟
النصيحة الأخلاقية الأولى هي الصدق مع الذات والمجتمع في الإعتراف بما حدث من أخطاء وجرائم. أما معرفيًا، فأعتقد أن التعلّم من تجارب الدول الأخرى وتطبيق العدالة بشكل يلائم الخصوصية السورية، مع الانتباه لحساسية السياق الاجتماعي والسياسي، أمر بالغ الأهمية.


































































































