إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
مع إسقاط نظام الأسد وتراجع شدة العزلة الاقتصادية، تقف سوريا اليوم أمام لحظة تأمل حاسمة؛ ويتصاعد سؤال جوهري يحاول الباحث الاقتصادي عصام تيزيني الإجابة عنه بجدية ومسؤولية: كيف سيكون شكل اقتصاد سوريا الحديث؟ هل نتجه إلى اقتصاد ريعي هش، أم نبني نموذجاً إنتاجياً صلباً يقوده العلم والمعرفة؟
ويقدم الباحث رؤية نقدية شجاعة تحذر من الانزلاق إلى النموذج الريعي الخدمي، وترسم بالمقابل ملامح طموحة لاقتصاد إنتاجي حقيقي، يحمل سمات الاستدامة والاستقلال.
أي نموذج نريد؟
يرى تيزيني أن التوجه نحو اقتصاد خدمي ريعي، يقوم على جذب شركات عالمية للعمل في قطاع الخدمات أو التشغيل بالأجرة، وإن كان يوفر فرص عمل ويعالج البطالة مؤقتاً، إلا أنه لا يبني اقتصاداً حراً مستقلاً، ويضرب أمثلة بدول ما بعد الحرب مثل رواندا وبنغلادش والصومال، التي اعتمدت هذا النموذج دون أن تخرج من دائرة التبعية والتقليد، ويحذر من اعتماد هذا النموذج لأنه يعني البقاء في دائرة الضعف البنيوي الاقتصادي والصناعي خصوصاً.
النموذج الطموح
في المقابل، يطرح تيزيني في حديثه لـ “تفاصيل برس” نموذج النمور الآسيوية الأربع (كوريا الجنوبية، سنغافورة، تايوان، هونغ كونغ) كنموذج ملهم لما يمكن أن تحققه الإرادة السياسية والإبداع المعرفي في بناء اقتصادات وطنية قوية.
ويؤكد بثقة أن السوريين قادرون على تجاوز تلك التجارب، إذا ما أُتيح لهم مناخ إنتاجي حر، يعتمد على المعرفة والتكنولوجيا والتغذية الذاتية لصناعتهم بدل الاستيراد والتجميع.
لا صناعة حقيقية حتى الآن
في واحد من أكثر تصريحاته جرأة، يقر تيزيني بأن سوريا لا تمتلك حتى الآن صناعة وطنية حقيقية، مشيراً إلى أن الحديث عن صناعة وطنية تحتمي بمنع استيراد مثيلاتها هو وهمٌ موروث وأن ما نسميه صناعات وطنية ليست إلا تجميعاً لمكونات أجنبية، وغالباً ما تستعمل حماية الصناعة الوطنية أداة لمنع استيراد مثيلاتها الأجنبية هو أسلوب لحماية الأشخاص لا حماية الصناعة ، ويحذر من الاستمرار في دوامة النسخ واللصق والتقليد، داعياً إلى القطيعة مع الماضي الصناعي المشوّه، والبدء ببناء اقتصاد قائم على العلوم والابتكار والبحث والتطوير.
رأسمالنا الحقيقي
من وجهة نظر تيزيني، فإن الثروة الأهم لسوريا ليست فقط في مواردها الطبيعية، بل في شبابها المتنور المنتشر حول العالم، ويرى أن بناء اقتصاد حقيقي يبدأ بخطوتين:
- قيادة اقتصادية وتشريعية مخلصة ومبدعة في الداخل السوري، قادرة على صياغة سياسات محفّزة للاستثمار والإنتاج الحقيقي.
- استعادة العقول السورية المهاجرة من خلال تشكيل هيئة أو وزارة مختصة بربط الجسور مع المبدعين السوريين في الخارج، وتوفير حوافز حقيقية لعودتهم والمشاركة في إعادة بناء الاقتصاد.
هل نمتلك الجرأة على التغيير؟
يختتم تيزيني رؤيته بسؤال مفتوح لا ينتظر إجابة نظرية، بل فعلاً عملياً، “اقتصاد سوريا.. كيف سيكون؟”
هو سؤال سيبقى مطروحاً، والإجابة عليه لا تتم بالشعارات، بل بالإرادة السياسية، والتخطيط العلمي، والعمل الجماعي، ويضيف أن الطريق طويلة، لكنها لم تعد مسدودة، فملامحها بدأت تتشكل، وما على السوريين إلا التقاطها والانطلاق نحو المستقبل.


































































































