إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
لم تكن سوريا يوماً خارج سياق الاقتصاد العالمي، بل كانت من أوائل الدول العربية التي خطت بثقة نحو الانخراط في النظام التجاري الدولي، حين وقعت في عام 1947 على اتفاقية “الجات (GATT)” إلى جانب 22 دولة أخرى، في خطوة تاريخية هدفت إلى تخفيف القيود الجمركية وتسهيل التبادل التجاري وحل النزاعات الاقتصادية عبر التفاوض.
لكن المفارقة المؤلمة أن سوريا، التي كانت شريكاً مؤسساً في اتفاقية “GATT”، لم تستطع حتى اليوم أن تصبح عضواً كاملاً في منظمة التجارة العالمية (WTO) التي تأسست عام 1995، وورثت مهام “GATT” في تنظيم التجارة الدولية، فهي ما زالت حتى الآن تحمل صفة “عضو مراقب”، في وقت باتت فيه المنظمة تضم 164 دولة تمثل أكثر من 98% من التجارة العالمية.
الفرصة الضائعة
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي أن التأخر في الانضمام الكامل إلى المنظمة لم يعد مجرد خلل تقني أو سياسي، بل يمثل اليوم فجوة اقتصادية حقيقية تفصل سوريا عن أسواق كبرى، وتحرمها من الامتيازات التي تتمتع بها الدول الأعضاء، ومنها مبدأ “الدولة الأكثر رعاية”، الذي يتيح للسلع السورية معاملة تفضيلية في الأسواق العالمية.
وفي ظل اعتماد الاقتصاد السوري رسمياً على “نهج السوق الحر التنافسي”، فإن الحاجة باتت ملحة – لا بل طارئة – لإعادة تفعيل طلب الانضمام الكامل إلى منظمة التجارة العالمية، خاصة بعد سنوات من الأزمات التي أنهكت الاقتصاد وأخرجته من الدورة الإنتاجية والتجارية الطبيعية.
فوائد استراتيجية
وبحسب خربوطلي فأن انضمام سوريا إلى المنظمة لا يعني فقط فتح الأسواق أمام السلع الوطنية، بل يتجاوز ذلك إلى:
– تحسين ميزان التبادل التجاري عبر إزالة الحواجز الجمركية والكمية أمام الصادرات السورية.
– تشجيع نقل التكنولوجيا نتيجة الالتزام بحماية حقوق الملكية الفكرية، مما يزيد ثقة الشركات الدولية ويخفض تكاليف استيراد الآلات والتجهيزات المتطورة.
– تمكين السياسات التجارية الوقائية خلال المرحلة الانتقالية، وهو ما تتيحه المنظمة للدول الخارجة من أزمات اقتصادية، عبر فرض رسوم جمركية مؤقتة تدعم الصناعات المحلية.
هل تغيرت الظروف الدولية؟
يقول الدكتور خربوطلي إن الكثير من الموانع السياسية التي حالت دون عضوية سوريا الكاملة بدأت تتراجع، خصوصاً مع تفكيك جزء كبير من العقوبات الاقتصادية وتبدل المواقف الدولية تجاه سوريا، فاليوم، لم يعد هناك مبرر منطقي لاستمرار “الفيتو” غير المعلن الذي عرقل انضمام دمشق إلى المنظمة طيلة العقود الماضية.
وأشار إلى أن موقع سوريا الجغرافي، وطبيعتها كبوابة اقتصادية بين الشرق والغرب، يخولها أن تلعب دوراً محورياً في المرحلة المقبلة على المستويين الإقليمي والدولي، خصوصاً في حال تم تفعيل مشاريع إعادة الإعمار وربطها بسلاسل التوريد الإقليمية.
بالتالي عودة سوريا إلى واجهة النظام التجاري العالمي ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة اقتصادية لتوسيع الأسواق، وتعزيز الإنتاج، وتخفيض كلف الاستيراد، وضمان تدفق الاستثمار والتقنية، لقد كانت سوريا في صلب النظام التجاري الدولي عام 1947، ومن حقها – بل من واجبها – أن تستعيد هذا الموقع الطبيعي.
وإن إعادة تقديم طلب العضوية الكاملة في منظمة التجارة العالمية بات خطوة لا تحتمل التأجيل، وهي اختبار لجدية التوجهات الاقتصادية الجديدة في البلاد، ومدى قدرتها على الدخول في شراكة ندّية مع الاقتصاد العالمي.


























































































