إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
في خطوة لافتة تحمل أبعاداً رقابية ونقدية في آن معاً، أصدر مصرف سوريا المركزي التعميم رقم 1831 بتاريخ 7 أيار 2025، موجهاً المصارف العاملة في البلاد إلى إلغاء السقوف المحددة للسحب من الحسابات الجارية المغذاة نقداً وحسابات الودائع لأجل، بكافة العملات المودعة بعد صدور التعميم.
وبحسب التعميم، فإن للمودعين حرية التصرف بأموالهم في أي وقت وبدون سقف محدد، وهو ما يعد تحولاً جوهرياً في السياسات المصرفية المعتمدة منذ سنوات، لا سيما في ظل القيود التي فرضت خلال الأزمات المتعاقبة التي شهدها القطاع المالي السوري.
وأكد المصرف المركزي على أحقية المواطنين في التقدم بشكاوى رسمية في حال عدم التزام المصارف بالتعليمات الجديدة، داعياً للإبلاغ المباشر إلى ديوان المصرف بهدف المعالجة الفورية.
مخاوف من الضغط على السيولة
وللوقوف على أبعاد هذا التعميم، تواصلت تفاصيل برس مع الدكتور عبد الرحمن محمد، نائب عميد كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الذي بين أن القرار يحمل تغييراً جوهرياً في قواعد السحب، وأنه في السابق، كانت هناك قيود واضحة على عمليات السحب، مما أوجد شعوراً بعدم الأمان لدى المتعاملين، وأثر سلباً على الثقة بالنظام المصرفي، أما اليوم، فالمصرف المركزي يطلق إشارة إيجابية بتحرير السحب وإعطاء المودعين حرية كاملة في إدارة أموالهم، وفي أي وقت، وبأي عملة مودعة.
وعن دوافع القرار أوضح محمد: أن هذه الخطوة قد تكون محاولة جادة لإعادة الثقة بالنظام المصرفي، وتشجيع المواطنين على العودة لاستخدام القنوات الرسمية، خاصة في ظل التوسع غير المنضبط للسوق السوداء.
هل المصارف مستعدة؟
لكن في ظل الأوضاع الاقتصادية والضغوط المتعددة التي تعاني منها المصارف، يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل النظام المصرفي قادر فعلاً على الالتزام الفوري بهذا التعميم؟
يرى الدكتور محمد أن التنفيذ قد لا يكون سهلاً، لأن المصارف قد تواجه تحديات حقيقية، لاسيما فيما يتعلق بتوفير السيولة النقدية الكافية لتلبية الطلبات، ومعظم المصارف تحتاج إلى مراجعة سياساتها الداخلية وضمان توفر احتياطات نقدية ملائمة، وإلا قد نجد أنفسنا أمام أزمة سيولة مفاجئة إذا حصلت سحوبات جماعية.
رسالة المركزي وتوقيتها
من حيث التوقيت، لا يبدو التعميم منعزلاً عن السياق العام، إذ يشير محمد إلى أن التعميم يحمل رسالة واضحة بأن المصرف المركزي يتجه نحو تحرير تدريجي للحركة المالية، وتحسين بيئة الأعمال المصرفية، ولا يمكن الجزم بوجود تحول كامل في السياسة النقدية، لكن الخطوة تحمل مؤشرات لذلك.
هل هناك مخاوف على سعر الصرف؟
يبقى السؤال الأبرز لدى المراقبين والمواطنين: هل سيؤثر هذا القرار على سعر صرف الليرة السورية؟
بحسب مراقبين، فإن رفع القيود عن السحب قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار إذا ما سعى المودعون لتحويل مدخراتهم إلى عملات صعبة خشية تراجع قيمة الليرة، ومع استمرار نقص احتياطيات المركزي من القطع الأجنبي، فإن أي ضغط غير محسوب قد يؤدي إلى تقلبات جديدة في سوق الصرف.
ولم يستبعد الدكتور محمد هذا السيناريو، لكنه يربط تطوره بإدارة المصرف المركزي للموقف، فإذا تمكن المصرف من توفير السيولة وضبط السوق، فقد تمر الخطوة بسلام، أما في حال ساد الذعر أو حصلت سحوبات غير مدروسة، فقد ترتفع أسعار العملات الأجنبية بفعل التوتر.
فمن الواضح أن التعميم رقم 1831 يأتي ضمن استراتيجية لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي، لكن نجاحه سيعتمد على جاهزية المصارف، وتوازن السياسة النقدية، والتفاعل الشعبي معه، فبين تطمينات المركزي ومخاوف السوق، تبقى الأيام القادمة مليئة بالمؤشرات التي ستحدد إن كان القرار منعطف إيجابي أم اختبار قاسي للنظام المالي في سوريا.


































































































