إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
عندما نتحدث عن الاقتصاد السوري لابد أن نصطدم بحقيقة وجود ثلاث عملات تتصدر المشهد النقدي في سوريا، وهي الليرة السورية والدولار الأمريكي، الليرة التركية، جميعها عملات متداولة داخل الأراضي السورية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عقد.
انقسام نقدي
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد، نائب عميد كلية الاقتصاد في جامعة حماة، أن ما نشهده من انقسام نقدي ليس فقط تعدد عملات في السوق، بل هو انعكاس لانقسام سياسي وعدم وجود رؤية موحدة أو توافق سياسي بين الأطراف المختلفة، مضيفاً أنه بعد كل التحولات السياسية التي مرت فيها البلاد لم تحدث أي خطوات حقيقية نحو توحيد النظام النقدي في البلاد، لأن الأساس هو التوافق السياسي والسلطة المركزية المفقودة حتى الآن، وبمعنى آخر، غياب سلطة موحدة قادرة على فرض سياسة نقدية واحدة، أفسح المجال أمام الواقع الحالي من عملات متعددة، وأسواق متوازية، ومواطنون بلا بوصلة اقتصادية.
من يدفع الثمن؟
ويبين الدكتور أن هذا التعدد في النقد لا يمر مرور الكرام على السوريين، فالمواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الانقسام، فالأسعار تتقلب بلا ضوابط، والقدرة الشرائية تتآكل يوماً بعد يوم، وفي ظل هذا الانقسام، تصبح السياسة النقدية بلا فاعلية، والحكومة تفقد أدواتها في إدارة الاقتصاد، وتبدو السوق السوداء للعملات الأجنبية مثالاً حياً على هذا التحدي، إذ أصبحت هي المرجع الحقيقي لتسعير السلع، لا المصرف المركزي.
وهذا بدوره أدى إلى تعميق فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإلى ترسيخ حالة من الفوضى المالية، ومن أكثر تجليات الانقسام النقدي وضوحاً هو تفاوت الرواتب والأسعار بين المناطق، موظف في الشمال السوري لا يتقاضى راتبه بالعملة نفسها أو بالقيمة نفسها التي يتقاضاها نظيره في الجنوب، وهنا تتجلى المعضلة الأخطر: الشعور بالظلم الاقتصادي، وغياب العدالة في توزيع الفرص والموارد.
هل من أفق للتوحيد؟
حين سألنا الدكتور محمد عن السيناريوهات الواقعية لتوحيد العملة، قال: أنه لا يمكن الحديث عن أي خطوة نقدية موحدة ما لم يتحقق الاستقرار السياسي أولاً، ولكن حتى في ظل تحسن الأوضاع، فإن التحديات لا تقل تعقيداً من فساد ومؤسسات مالية ضعيفة، وفقدان ثقة شبه كامل من قبل المواطنين، كما أن العودة إلى الليرة السورية في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة تبدو حالياً سيناريو بعيداً، بحسب رأي الخبير الاقتصادي، لأن الواقع الاقتصادي في تلك المناطق أصبح قائم على أنظمة مالية موازية، حتى لو بقيت مؤقتة.
نحو نظام نقدي مزدوج
وفي الختام أشار الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن واقع الحال يشير إلى احتمال نشوء نظام نقدي مزدوج، الأمر الذي سيزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي السوري، ويجعل من عملية توحيد السياسات المالية مهمة صعبة وشبه مستحيلة على المدى القصير، في المقابل.
لافتاً إلى أهمية دراسة تجارب ناجحة تاريخياً، مثل تجربة الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، رغم الفوضى والدمار، استطاعت الدول الأوروبية بناء منظومة اقتصادية موحدة من خلال مؤسسات شفافة وتعاون إقليمي عابر للخلافات السياسية، ولذلك، من الممكن وربما الضروري التفكير والتوجه نحو مشروع تكاملي بين المناطق السورية المختلفة، يبدأ بإطار عمل موحد للسياسات النقدية، ويبنى على إصلاحات هيكلية تشمل الأنظمة الضريبية والجمركية، مع دعم حقيقي للقطاع الإنتاجي والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
بالتالي قد تكون السياسات الاقتصادية والمالية أدوات ضرورية، لكن العنصر الأهم الذي تحتاجه سوريا اليوم هو استعادة الثقة، ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وثقة الفعاليات الاقتصادية بالعمل داخل السوق المحلية، ودون ذلك، ستبقى العملة السورية مجرد ورق بلا قيمة حقيقية، وسيتحول الانقسام النقدي إلى واقع دائم يصعب تجاوزه.


































































































