ألين هلال – تفاصيل برس
بعد غياب أكثر من خمس سنوات، استعاد علي (صحفي سوري) الشغف بالصحافة الورقية صباح أحد الأيام، حين لمح صحيفة ورقية تعود به إلى ذاكرة الأجيال التي ارتبطت بها لعقود.
تردد في الوقوف أمامها، رغم أنها ليست سوريّة، إلا أن الحنين لأثرها الساحر أعاده ليمسكها بشوق.
هذه اللحظة أعادت الجدل القديم حول قدرة الصحافة الورقية على المنافسة في زمن الإعلام الإلكتروني الحديث، وهل ستبقى مجرد متنفس للكلمات المتقاطعة أم ستثبت جدارتها المهنية؟
كانت لحظة استعادة للحس والذاكرة، حينما تلمس ورقة الصحيفة وتذكر كيف شكلت ذاكرة أجيال عبر عقود. هذا الحنين يعيد إلى الواجهة نقاشًا عميقًا حول مستقبل الصحافة الورقية في سوريا، وسط تسارع ثورة الإعلام الإلكتروني التي غيرت قواعد اللعبة.
الصحافة الورقية: بين فقدان الأنية والحفاظ على المصداقية
يؤكد أحمد عليان، صحفي سوري مقيم في ألمانيا، أن الصحافة الورقية فقدت قدرتها على منافسة الإعلام الرقمي من حيث السرعة والآنية، إذ تحتاج الصحيفة الورقية إلى ما يقرب من 24 ساعة لطباعة ونقل المعلومات، مما يسبب تأخراً في نشر الأخبار.

ومع ذلك، يوضح عليان أن الصحف المطبوعة لا تزال تحظى بثقة عالية كمصدر موثوق للأخبار والتحليلات المهمة، وهو ما يمثل نقطة قوة لا تزال تلعب دورًا محوريًا في المشهد الإعلامي السوري.
الصحافة الورقية ركيزة المهنية والموثوقية
الصحفي السوري سامر الحلبي يرى أن “الصحافة الورقية ليست مجرد كلمات متقاطعة أو تراث ماضٍ، بل هي أساس المصداقية المهنية التي لا يمكن للإعلام الرقمي أن يحل محلها بسهولة، خاصة في بيئة إعلامية يعمها التضليل والتلاعب.”
ويضيف الحلبي: “الورق يمتلك ثقلًا وسمعة لا تضاهى، فهو الوسيلة التي يلتزم فيها الصحفي بتحري الدقة والموضوعية، بينما تعجّ منصات التواصل بالمعلومات غير الدقيقة والمغلوطة.”
الإعلام الرقمي مستقبل الصحافة
في المقابل، ترى الصحفي هند محمود أن “الصحافة الورقية في سوريا أصبحت تمثل بقايا زمن مضى، ولم تعد تواكب إيقاع العصر الرقمي. الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحتا المصدر الأول للمعلومات، والاعتماد على الورق يشكل تراجعًا أمام سرعة وتنوع الوسائل الحديثة.”
وتضيف: “التركيز يجب أن يكون على تطوير الإعلام الرقمي وبناء قدرات صحفيي المستقبل، فالصحافة الورقية اليوم تتكبد خسائر مالية ضخمة ولا تواكب عادات الجمهور المتغيرة.”
الصحيفة الرسمية المطبوعة الوحيدة
يشرح خالد الخلف، المدير العام لمؤسسة الوحدة للطباعة والنشر، أن الصحيفة الرسمية الوحيدة التي ستعود إلى التداول هي صحيفة “الثورة”، والتي ستتبع خطة تطوير متكاملة تشمل:
تطوير الموقع الإلكتروني التفاعلي
تنشيط منصات التواصل الاجتماعي
إصدار ورقي مع محتوى تحريري حديث وجذاب يتماشى مع اهتمامات مختلف شرائح الجمهور
ويشير الخلف إلى أن هذا الإصدار الورقي ليس لتحقيق الربح، بل للحفاظ على رمزية وجود الصحافة الرسمية، رغم الأعباء المالية الكبيرة المرتبطة بطباعتها.
تحديات تقنية وبشرية
تواجه الصحافة الورقية في سوريا تحديات فنية كبيرة بسبب توقف آلات الطباعة عن العمل منذ سنوات، بالإضافة إلى عدم تحديثها أو صيانتها، مما يضاعف الوقت والجهد المطلوبين للإنتاج.
من ناحية أخرى، تعمل المؤسسة على تنظيم دورات تدريبية مكثفة للصحفيين لتطوير مهاراتهم ومواكبة المعايير الصحفية الحديثة، في محاولة للحفاظ على جودة المحتوى.
طلبات الترخيص الإعلامي
وفقًا لعمر حاج أحمد، مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، بلغ عدد طلبات الترخيص المقدمة للوزارة نحو 380 طلبًا، منها 37 مؤسسة صحفية ومجلات دورية وغير دورية، مما يعكس حيوية المشهد الإعلامي السوري وتنوعه.
ومع تصاعد التحديات الرقمية والاقتصادية، تبقى الصحافة الورقية في سوريا على مفترق طرق.
بين من يرونها ركيزة لا غنى عنها للمصداقية المهنية، ومن يعتبرونها إرثًا يتراجع أمام المستقبل الرقمي، تظل الصحافة السورية في مرحلة انتقالية تسعى لإيجاد التوازن بين الأصالة والحداثة.
إن التطوير المتكامل بين الوسائط المتعددة وتدريب الكوادر الإعلامية سيكون السبيل الأنجح للحفاظ على رسالة الإعلام الوطني في زمن يتغير بسرعة غير مسبوقة.


































































































