علي الجاسم – تفاصيل برس
بينما تمضي الحياة في مدينة حلب بصورتها المعتادة، وثقت عدسات الناشطين مؤخرًا، مشهدًا صادمًا في الحديقة العامة وسط المدينة، حيث ظهر طفل صغير وهو يستنشق مادة “الشعلة” الكيميائية، في وضح النهار، وأمام أعين المارة.
المادة التي تستخدم عادة في كلاصق صناعي، معروفة بخطورتها الشديدة على الجهاز التنفسي والعصبي، إذ أن استنشاقها المتكرر يُلحق أضرارًا فادحة بالدماغ، وقد يؤدي إلى التسمم أو حتى الموت المفاجئ.
المشهد لم يكن حادثًا فرديًا أو سلوكًا شاذًا، بل يمثل مؤشرًا خطيرًا على حالة انهيار اجتماعي وأخلاقي وصحي، تعيشه فئات من الأطفال في المدينة، وسط غياب شبه تام لأي منظومات وقاية أو متابعة أو تدخل علاجي.
جيل مسحوق… ونتائج منظومة قمع لا تنتهي
ما جرى في الحديقة لا يمكن عزله عن السياق الأكبر الذي تعيشه سوريا منذ أكثر من عقد، فهؤلاء الأطفال، الذين يمسكون بأكياس “الشعلة” بدلاً من دفاتر المدرسة أو ألعاب الطفولة، هم نتاج نظام الأسد الذي دمّر المجتمع من جذوره، وخنق مؤسساته التربوية والصحية، وأدخل البلاد في دوامة من العنف والانهيار الشامل.
لقد أنتج النظام عقودًا من التهميش والفقر والتجهيل، قبل أن يُطلق الرصاصة الأخيرة على ما تبقّى من الطفولة السورية خلال سنوات الحرب. وها نحن اليوم أمام مشهد يحاكي النهايات المأساوية: الأطفال يستنشقون السمّ، لا تحت تأثير الجوع أو التشرد فقط، بل كنتيجة مباشرة لانعدام أي مفهوم للرعاية أو الكرامة الإنسانية.
بين الواقع والممكن.. هل من خطة إنقاذ؟
رغم فداحة المشهد، إلا أن الجهات المختصة في البلاد تعمل اليوم ضمن إمكانات محدودة وظروف شديدة التعقيد، نتيجة ما خلّفته سنوات الحرب والحصار والانهيار المؤسسي، ما يجعل التحرك الشامل بطيئًا وصعبًا، لكنه يبقى ضروريًا وعاجلًا.
ما هو مطلوب في المرحلة الحالية ليس فقط تدخلًا إسعافيًا، بل رؤية استراتيجية واضحة تعالج جذور الظاهرة، بدءًا من الرقابة على تداول المواد السامة، مرورًا بالتوعية المجتمعية، وصولًا إلى توفير الرعاية الصحية والدعم النفسي للأطفال المعرضين للخطر.
الطفل الذي يستنشق “الشعلة” اليوم، ليس مجرد ضحية حادثة عابرة، بل شاهد حيّ على تحديات جسيمة تواجه الدولة والمجتمع في سعيهما لإعادة بناء الإنسان بعد حرب استهدفت كل ما هو حيّ.


































































































