إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
فيما يعيش العالم في حالة من الأزمات المالية المتلاحقة، بين تضخم لا يحتمل وركود يهدد بكوارث للمجتمعات، تزداد معاناة الإنسان في نظام اقتصادي يرى في الربح غاية لا وسيلة.
وفي هذا المشهد المعقد، تظهر حاجة ملحة لإعادة النظر في منظومة القيم التي تحكم إدارة الثروة والموارد، ومن هذا المنطلق، قدم الخبير الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي طرح مختلف، يضع الاقتصاد الإسلامي كبديل واقعي وأخلاقي قادر على استعادة التوازن المفقود.
فلسفة متكاملة
فالاقتصاد الإسلامي من وجهة نظر الدكتور خربوطلي، ليس فقط هيكل مالي يعتمد على الشريعة في العقود والمعاملات، بل يعتبر فلسفة متكاملة ترى في الإنسان محوراً أساسياً، وفي المال وسيلة لا غاية، فهذا النموذج يعترف بأهمية تحقيق الربح، لكنه لا يقبل أن يكون ذلك على حساب القيم كونه يسعى إلى إعمار الأرض وتحقيق التكافل الاجتماعي، ويرتكز بالدرجة الأولى على الشريعة الإسلامية التي تصون النفس والمال والدين والعقل والنسل.
في هذا النوع من الاقتصاد، لا يتم التعامل مع المال بوصفه سلعة تستثمر بناء على اتفاق، بل باعتباره أمانة يجب أن تستخدم في خدمة المجتمع، زمن هنا تتجلى خصوصية الاقتصاد الإسلامي في قدرته على الجمع بين ما قد يبدو متناقض مثل الحرية الاقتصادية من جهة، والمسؤولية الاجتماعية من جهة أخرى، وبين احترام الملكية الفردية، وضرورة توجيهها نحو المنفعة العامة، بين الربح المشروع، والرفض القاطع للاستغلال بأي شكل كان.
اقتصاد يكرم الإنسان
وأكد الدكتور خربوطلي، أن من غير المنطقي اختزال الاقتصاد الإسلامي في نماذج كالتمويل المصرفي أو في بعض الأدوات مثل المرابحة والمضاربة والإجارة، رغم أهميتها، فالفكرة أعمق من ذلك بكثير، حيث يطمح هذا النموذج إلى بناء مؤسسات مصرفية لا تكتفي بتمويل المشاريع، بل تشارك في التنمية الحقيقية وتتبنى منطق الربح والخسارة، وتسهم في دفع عجلة الاقتصاد الإنتاجي ، كما يدعو إلى تعزيز استخدام أدوات مثل الصكوك الإسلامية، بوصفها بدائل مالية عادلة وشفافة عن السندات الربوية، وتفعيل الزكاة بشكل مؤسسي يجعل منها أداة لإعادة توزيع الثروة، لا مجرد فريضة فردية.
ولم يقف طرح خربوطلي عند هذا الحد، بل يعطي أهمية خاصة لإحياء الوقف الإسلامي بوصفه مصدر تنموي دائم، ويدعو إلى وضع ضوابط حازمة تمنع الاحتكار والمضاربات التي تصطنع الندرة وتزرع الأزمات.
واعتبر، أن الاقتصاد الإسلامي ليس معنيا فقط بأخلاقيات السوق، بل هو مشروع متكامل لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمال، بين الدولة والفرد، بين السوق والمجتمع، أي إنه اقتصاد يكرم الإنسان ولا يستهلكه، ويضع العدالة في صميم معادلته لا على هامشها.
عدالة ومسؤولية
وأوضح الخبير، أن نجاح هذا النموذج يتطلب فهم دقيق لقواعده وأدواته، وإيمان راسخ بأن العالم لا يعاني من قلة الموارد، بل من سوء التوزيع وانعدام العدالة، فالنظرية الاقتصادية الإسلامية تقوم على مبدأ الوفرة النسبية، أي أن ما لدينا من خيرات يكفي لتلبية الحاجات إذا أحسن التدبير ووزع بعدالة ومسؤولية.
وبذلك تتضح الفكرة الرئيسية التي ينطلق منها الدكتور خربوطلي وهي أن الاقتصاد الإسلامي ليس رديف للاقتصاد التقليدي ومغلف بعبارات دينية، لكنه تصور مغاير بالكامل يرفض الفصل بين السوق والقيم، بين الربح والرحمة، بين الكفاءة والكرامة.
وربما لا يدعي الاقتصاد الإسلامي أنه يمتلك عصا سحرية تنهي معاناة العالم، لكنه يطرح أسئلة مهمة لم تجيب عنها النماذج التقليدية: لمن تنتج الثروات؟ ولماذا تتكدس في يد القلة؟ وأي فائدة من أسواق تعلي من قيمة الأشياء وتهمل قيمة الإنسان؟































































































