دانا برجاس – تفاصيل برس
رغم أشهر من المحادثات المكثفة، لم تفلح اليابان في تهدئة التوتر مع الولايات المتحدة، فقد قدمت طوكيو عدداً من التنازلات، منها تعهدات بشراء كميات إضافية من الغاز الطبيعي الأميركي، واستيراد معدات دفاعية، والمشاركة في مشاريع بناء السفن، إلا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب بقيت غير مقتنعة بهذه العروض.
وعلى الرغم من تلك التحركات، ظل ترامب متمسكاً بمطالبه، فبالنسبة له، لم تقدّم اليابان ما يكفي لإحداث تغيير جذري، في تصريحاته المتكررة، ركز على نقطتين أساسيتين: الأولى أن السيارات اليابانية تملأ الأسواق الأميركية، بينما تكاد تغيب السيارات الأميركية عن الشوارع اليابانية، والثانية أن اليابان تفرض قيوداً تعرقل دخول الأرز الأميركي إلى أسواقها، رغم الحاجة إليه.
ومع اقتراب موعد حاسم في المفاوضات، تصاعدت نبرة التصريحات، وبات واضحاً أن واشنطن لا ترى أي مؤشرات على اتفاق قريب.
الأرز رمز يتجاوز التجارة
خلال المحادثات، برز الأرز كقضية شديدة الحساسية. ففي الوقت الذي تراه واشنطن منتجاً زراعياً يجب فتح السوق اليابانية أمامه، تعتبره اليابان جزءاً من نسيجها الثقافي وهويتها الريفية. الأرز، بالنسبة لكثيرين هناك، ليس سلعة بل رمز وطني.
يقول جو يرق، المحلل في أسواق التجارة العالمية: إن “حماية هذا القطاع تحظى بإجماع واسع بين الحكومة والمزارعين والرأي العام، باعتباره خطاً أحمر لا يمكن المساس به”.
ورغم أن اليابان استوردت في العام الماضي بما يقارب 298 مليون دولار من الأرز الأميركي، تعتبر إدارة ترامب، أن ذلك غير كافٍ ولا يعكس انفتاحاً حقيقياً على المنتجات الأميركية.
ركيزة الاقتصاد الياباني تحت الضغط
الجدل لا يقتصر على الزراعة، ففرض رسوم تصل إلى 25% على السيارات اليابانية خلق توتراً واسعاً، وتمثل هذه الصناعة أحد أعمدة اقتصاد التصدير الياباني، ما يجعلها عرضة بشكل مباشر لأي تغيرات في السياسة الجمركية الأميركية.
وبحسب مصادر مطلعة على سير المفاوضات، بدأت اليابان تدرك أن الإعفاء من هذه الرسوم قد لا يكون ممكناً، لكنها تطالب على الأقل بضمانات تتيح لها تخطيط سياساتها الاقتصادية بثبات، بعيداً عن تقلبات القرارات الجمركية.
يقول أحد المسؤولين المطلعين: “الشركات بحاجة إلى وضوح واستقرار. ما تطلبه طوكيو ببساطة هو اتفاق يُنهي حالة الترقب والقلق”.
توتر متصاعد
من جهته، يرى الخبير المالي، محمد سعيد، أن المفاوضات وصلت إلى مرحلة حرجة وأوضح، أن تراكم الملفات الخلافية – من السيارات والصلب والألمنيوم، إلى الذرة وفول الصويا – جعل التوصل إلى حلول أكثر تعقيداً.
“الرسوم تؤثر بشكل مباشر على الصناعات اليابانية، خاصة تلك التي تعتمد على التصدير”، قال سعيد: “الإدارة الأميركية لم تُبد أي نية واضحة للتراجع عن إجراءاتها رغم محاولات طوكيو”.
ومع تمسك واشنطن بفتح السوق اليابانية أمام المنتجات الزراعية الأميركية، تصر اليابان على موقفها، خصوصاً فيما يتعلق بالأرز، الذي يُنظر إليه كرمز وطني لا يقبل التنازل.
ومع اقتراب تاريخ 9 تموز/يوليو، وهو موعد انتهاء تعليق الرسوم الجمركية، يزداد القلق من احتمالية فرض تعريفات جديدة، ما قد يشعل جولة جديدة من التوتر التجاري.
أزمة تجارية تلوح في الأفق
في ظل هذه الأجواء المشحونة، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق في المدى القريب ضئيلة. فكل طرف متمسك بموقفه، ولا تلوح في الأفق بوادر تسوية.
وإن لم يتحقق أي اختراق في الأيام القادمة، فإن المواجهة التجارية التي خفتت لبعض الوقت، قد تعود إلى الساحة، وهذه المرة بين بلدين طالما اعتُبرا من أقرب الحلفاء.
وفي خلفية المشهد، تبرز مفارقة لافتة: ما بدأ كجدال تجاري حول أرقام وحصص، تطور إلى معركة رمزية تتعلق بالسيادة الاقتصادية والهوية الوطنية، فالأرز لم يعد مجرد سلعة غذائية، والسيارات لم تعد وسيلة نقل فحسب، ما يدور حالياً هو صراع على النفوذ، وعلى من يضع قواعد اللعبة في المرحلة القادمة من الاقتصاد العالمي.


































































































