إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
في مراجعة للاقتصاد السوري خلال التاريخ، عرض الخبير الاقتصادي، الدكتور عامر خربوطلي، المحطات المفصلية التي تركت أثراً في مسيرة الصناعة السورية منذ بدايات القرن العشرين، مؤكداً أن فهم الماضي الاقتصادي ليس ترف فكري، بل حاجة ملحة لرسم مستقبل واقعي وفعال.
تبين المعلومات التاريخية، أن بدايات الصناعة الحديثة في سوريا تعود إلى أواخر عشرينيات القرن الماضي، حين اجتمع عدد من تجار دمشق من أبناء البرجوازية الوطنية لتأسيس أول معمل إسمنت في منطقة دمر، بالقرب من العاصمة، مستخدمين التقنية الرطبة التي كانت حديثة في ذلك الوقت لإنتاج الإسمنت من الحجر الجيري المحلي.
هذا المشروع المميز كان نواة تحول في الاقتصاد السوري، الذي كان يعتمد على التجارة والحرف والزراعة، دون بنية صناعية حقيقية، وقد أسهم هذا التحول في وقت لاحق في ظهور نماذج مماثلة في حلب ومدن سورية أخرى.
الصناعة كخيار اقتصادي شعبي
يجمع مؤرخو الاقتصاد على أن السوريين، بتقاليدهم التجارية العريقة، وجدوا في الصناعة وسيلة لمضاعفة القيمة وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، فالكثير من أصحاب الورش المعدنية، المعروفين باسم “الطورنجية”، طوروا مهاراتهم ليصبحوا أصحاب مصانع، وذلك عبر تفكيك الآلات المستوردة، وفهم آلية عملها، ثم تقليدها وتصنيعها محلياً.
ومع نيل سوريا استقلالها عام 1946، انطلقت فترة ذهبية للصناعة استمرت لأكثر من عقد من الزمن، تأسست فيها عشرات المصانع في مجالات الغزل والنسيج، الصناعات الغذائية، الزيوت، الأجهزة الكهربائية، وغيرها، ورافقت هذه النهضة تشريعات داعمة، أبرزها قوانين تشجيع الشركات المساهمة، التي طرحت أسهمها للاكتتاب العام، فشهد السوق المحلي طفرة في الإنتاج والتصدير.
وبحسب تقارير تلك المرحلة، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي معدلا غير مسبوق، قدر بـ 10% سنوياً، وارتفع مستوى الدخل الفردي ليصبح بين الأعلى عربياً، رغم أن الاكتشافات النفطية في الحسكة والرميلان لم تكن قد دخلت حيز الاستغلال بعد.
التأميم الأسود
سرعان ما توقفت هذه النهضة بفعل التأميم الذي طال أبرز القطاعات الصناعية والخدمية في الستينات، مما أدى إلى تراجع الثقة بالاستثمار المحلي، وتفكيك القطاع الخاص، وإضعاف روح المبادرة الفردية، ويروي الدكتور محمد العمادي، وزير الاقتصاد السابق، أن سوريا كانت قادرة أن تصبح “يابان الشرق”، لولا القرارات السياسية التي قضت على دينامية الاقتصاد الحر، بحسب تعبيره.
ويرى الدكتور خربوطلي، أن قراءة هذه التجربة بعمق تكشف أن الاقتصاد الحر والمبادرة الفردية والملكية الخاصة ليست شعارات، بل أدوات أثبتت جدواها، مشدداً على أن أي محاولة لإحياء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تنجح دون العودة إلى منطق الجدوى الاقتصادية، والمنافسة، وحسن توطين المشاريع، بما يراعي وفرة المواد الخام، وتوفر الأيدي العاملة، وسلاسة النقل والأسواق.
لكن سوريا التي نهضت في العشرينات، قادرة أن تستنهض قواها من جديد إذا أعادت الاعتبار للقطاع الخاص، وشجعت الاستثمار الحقيقي، ووضعت سياسات تنموية واقعية.































































































