إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
في خطوة جديدة تهدف إلى ضبط سوق الصرف في سوريا، أصدر مصرف سوريا المركزي تعميم يمنع محلات الصياغة من مزاولة مهنة الصرافة تحت أي شكل من الأشكال، واعتبر التعميم الذي دخل حيز التنفيذ فور صدوره بمثابة تبليغ رسمي لكافة العاملين في قطاع الذهب، ونبه إلى أن أي مخالفة ستعرض مرتكبها للمساءلة القانونية.
ظواهر سلبية
وفي هذا الصدد بيّن عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية الدكتور عبد الهادي الرفاعي في حديثة لـ “تفاصيل برس”، أن هذا التحرك لم يأت من فراغ، وله خلفية اقتصادية وقانونية واضحة، جاءت في إطار محاربة ظواهر سلبية تفاقمت خلال الفترة الأخيرة، فمحلات الصياغة، التي يفترض أن تركز على بيع وشراء الذهب، تحولت في كثير من الحالات إلى واجهة لعمليات صرف غير مشروعة، ما سمح بتهريب العملة الأجنبية خارج النظام المصرفي الرسمي، وفاقم من أزمة النقد الأجنبي في البلاد، كما ساهم التلاعب بأسعار الصرف بشكل غير قانوني لدى بعض هذه المحلات في تضخيم تقلبات الصرف، وأثر بشكل سلبي على قيمة الليرة السورية.
إعادة تنظيم
وبين الرفاعي أن هدف المركزي، من قراره الأخير، هو إعادة تنظيم النشاط المالي وسوق الصرف وحصر مهنة الصرافة ضمن المؤسسات المرخصة والخاضعة للرقابة، بعيداً عن الأنشطة الفردية غير المراقبة، فالصاغة ليسوا خاضعين للرقابة المالية المشددة مثل البنوك وشركات الصرافة المرخصة، مؤكداً أن هذه الخطوة تعزز من أدوات الرقابة المالية، وتغلق واحدة من النوافذ المحتملة لتمويل أنشطة غير مشروعة كغسيل الأموال والتمويل غير النظامي.
وأشار إلى أن الخلفية الاقتصادية للتعميم تعود للأزمة الاقتصادية المركبة التي تعيشها البلاد، والتي فاقمت من التحديات أمام صناع القرار المالي، فالانهيار المتواصل في سعر صرف الليرة السورية، إلى جانب النقص الحاد في العملات الأجنبية، دفع بالمصرف المركزي إلى محاربة عمليات التهريب والفساد المالي عبر إغلاق القنوات غير الرسمية للصرف، وفي ظل ضعف الثقة بالمؤسسات المصرفية، أصبحت محلات الصاغة، بفعل غياب الرقابة، أحد هذه القنوات البديلة، بالتالي القرار يهدف إلى تنظيم سوق الصرف، مكافحة الفساد، وحماية الاستقرار النقدي في سوريا.
ضربة ولكن؟
أن القرار رغم نواياه التنظيمية، أثار جدلاً في أوساط الصاغة الذين يرون فيه ضربة مباشرة لأعمالهم، فالكثير منهم كانوا يعتمدون على نشاط الصرافة كمصدر دخل رئيسي في ظل تراجع حركة بيع الذهب، كما أن عددا لا بأس به من الزبائن كان يقصد هذه المحلات ليس لشراء الذهب فقط، بل لتبادل العملات أيضاً بالتالي تحول بعضها إلى ممارسة الصرافة بشكل غير قانوني بحسب الدكتور.
ولفت عميد كلية الاقتصاد الدكتور عبد الهادي الرفاعي إلى أن القرار سيضرب مصدر دخل مهم للصاغة، خاصة في الأمد القصير، مما قد يؤدي إلى إغلاق بعض المحلات أو تحولها للعمل غير الرسمي، لكن على المدى البعيد، قد يساهم في تنظيم القطاع إذا وجدت بدائل مناسبة للمعاملات المالية، ومع ذلك، في ظل الأزمة الاقتصادية السورية، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة هذه المحلات على الاستمرار دون الدخل الناجم عن الصرافة.
ويبقى التحدي الأهم، في قدرة الدولة على تقديم بدائل موثوقة وفعالة لتغطية الفراغ الذي سيخلّفه هذا القرار، فبدون تعزيز الثقة بالمصارف وتوسيع شبكة شركات الصرافة الرسمية، قد لا يكون القرار كافي لضبط السوق، وما يحتاجه المواطن السوري اليوم هو آلية آمنة وشفافة لتداول العملات، فالقرار في جوهره يعكس إرادة لإعادة ضبط وتنظيم سوق الصرافة في البلاد ، لكن فعاليته ستتوقف على قدر ما يُرافقه من خطوات تنفيذية واقعية ومنظّمة، فإن إغلاق المنافذ غير الشرعية وحده لا يكفي، ما لم يحل مكانها قنوات رسمية مرنة ومقنعة للمواطن والمستثمر على حد سواء.


































































































