عبد الله العبدون – تفاصيل برس
عندما يتخذ رئيس دولة قرارا حاسما في لحظة مفصلية فإن المسألة لا ترتبط فقط بالقرار ذاته بل بطريقة إدراكه لموقع بلده ضمن توازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد وهذا تماما ما فعله رئيسنا السوري أحمد حسين الشرع حين تلقى رسالة مباشرة من عواصم غربية مؤثرة تطالبه بإنهاء التحالف مع موسكو والبحث عن صيغة تموضع جديدة لسوريا في الخارطة السياسية القادمة الرد جاء مفاجئا قصيرا ومربكا سأكون متوازنا مع الجميع لكن تلك العبارة التي بدت كصيغة دبلوماسية مبهمة حملت في جوهرها إعلانا واضحا عن تحول جوهري في الدور السوري من دولة تدار بالضغوط إلى دولة تعيد تعريف تموضعها السياسي بمعادلة جديدة تستند إلى استقلال القرار واستثمار التوازنات بين القوى الكبرى.
الغارة الإسرائيلية الأخيرة على دمشق لم تكن مجرد ضربة عسكرية بل رسالة سياسية محملة باختبار مباشر هل ما زالت سوريا قابلة للضغط أم أصبحت تتعامل مع الهجمات كجزء من إدارة الصراع لا كأداة لتغيير سلوكها السياسي الرد السوري لم يأت بصواريخ بل بصمت محسوب أربك بعض الدوائر الغربية وفتح باب التساؤل لماذا لم تهتز دمشق ولماذا لم تغير الغارات سلوك الدولة والموقف الأمريكي في حالة تساؤل وتفكير بأن استمرار الشرع على هذا النهج قد يعيد رسم خريطة النفوذ ونحن أمام خيارين إما القبول بسوريا مستقرة ومستقلة أو مواجهة تحالف روسي صيني كوري لا يمكن إخضاعه بشروط الغرب هكذا فكر الأمريكان بعد الضربة الأخيرة وبحسب ما يتداول في أوساط مغلقة فإن تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وتل أبيب ، تناولت مستقبل التموضع السوري وخلصت إلى ثلاث نقاط رئيسية الأولى أن بقاء دمشق خارج الفلك الغربي يشكل تهديدا طويل الأمد للمصالح الإسرائيلية الثانية أن النفوذ الروسي في سوريا بات يتقاطع مع النفوذ الصيني والإيراني بطريقة يصعب احتواؤها دون تفاهم مباشر مع القيادة السورية والثالثة أن شخصية الشرع لم تعد قابلة للتطويق أو التقليل من شأنها بل باتت تمثل نواة قرار مركزي يتجاوز الصورة التقليدية للرئيس المحاصر وأن التعامل معه لا يمكن أن يكون بالأدوات القديمة نفسها التي استخدمت في ملفات أخرى كساحة العراق أو ليبيا.
هذه التفاهمات لم تتحول إلى سياسة معلنة لكنها بدأت تتسلل إلى تقارير تقدير الموقف وتنعكس في لهجة أكثر واقعية حين يطرح السؤال المتكرر هل ما زالت سوريا قابلة للاحتواء أم أن التوازنات التي بنتها باتت أكبر من أن تخترق.
الاستراتيجية الغربية تجاه سوريا تنقسم اليوم إلى ثلاث مسارات مواصلة الضغط بالعقوبات والضربات ومحاولة إبقاء الملفات السياسية مفتوحة أو التفاوض الواقعي مع دولة لم تعد تابعة على أساس القبول باستقلالية القرار السوري أو إشعال الداخل مجددا لإضعاف الدولة وإعادة ترتيبها من الخارج رغم أن هذا الخيار بات عالي الكلفة سياسيا وميدانيا الرهان على كسر سوريا بات معقدا بعد استعادتها لمساحات واسعة وتحالفها مع قوى دولية تصعد بثبات في المشهد العالمي.
حين قال الشرع من إدلب لدينا أزرار من التسخين إلى قلب الطاولة إلى الانفجار الكامل ما كان يلوح بالتصعيد بل كان يعلن عن امتلاك أدوات لم تستخدم بعد وقدرة على المناورة رغم الإنهاك والحصار الذي كان يعانيه و سوريا اليوم ليست مجرد دولة أنهكتها الحرب إنها حالة سياسية ترسل رسالة مزدوجة الخروج من الهيمنة ممكن واستعادة القرار تبدأ من المعرفة الدقيقة بطبيعة الخصوم وتوازنات اللحظة الدولية.
من يقرأ المشهد السوري بعيون غير مؤدلجة يدرك أن ما يحدث في دمشق ليس تفصيلا هامشيا انما جزء من تحول عالمي أوسع وسوريا لم تعد ورقة بل أصبحت طرفا والعبارة التي قالها الشرع لم يقلها عن عبث.

























































































