إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
أعلنت وزارة المالية السورية مؤخراً عن ملامح النظام الضريبي الجديد على الدخل، وقد طرحت الوزارة هذه الملامح للنقاش العام لمدة خمسة عشر يوماً، قبل أن تصاغ بصيغتها النهائية وتعرض على رئيس الجمهورية تمهيداً لاعتمادها رسمياً.
ملامح النظام الجديد تبرز اتجاهه نحو تحقيق عدالة ضريبية، من خلال الانتقال إلى ضريبة موحدة تفرض على الأفراد والشركات دون تمييز بين أنواع الكيانات، مع اعتماد دخل صافي كأساس للتكليف، ورفع الحد الأدنى للدخل المعفى من الضريبة إلى اثني عشر ألف دولار سنوياً، وهو ما يعادل دخلاً شهرياً يقارب الألف دولار، هذا التوجه الجديد يعكس محاولة جادة لتصحيح اختلالات قديمة، والاقتراب أكثر من أنظمة ضريبية حديثة تعتمدها دول متقدمة، وتوصي بها مؤسسات مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
المطرح الضريبي
الخبير المالي عضو جمعية المحللين الماليين وضاح حنانا اعتبر أن رفع الحد الأدنى المعفى خطوة إيجابية، وتتماشى مع مبدأ العدالة، خاصة بالنسبة للعائلات السورية المتوسطة التي تعاني من ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة والإيجارات وأقساط التعليم، لكنه شدد على أن العدالة الضريبية لا تتحقق فقط من خلال رفع الحد المعفى، بل تتوقف بشكل أساسي على تحديد المطرح الضريبي بدقة، فبحسب رأيه، لا يمكن فرض الضريبة على الدخل الإجمالي للفرد دون الأخذ بالحسبان النفقات الأساسية، في الوقت الذي تفرض فيه الضريبة على الشركات وفق الدخل الصافي بعد خصم الأعباء.
وأشار حنانا إلى أن تطبيق هذا المبدأ على الأفراد قد يؤدي إلى ظلم شريحة واسعة من المواطنين، ما لم يتم احتساب الدخل الخاضع للضريبة بعد تنزيل النفقات الثابتة، واعتبار عدد المعالين داخل الأسرة، وطبيعة الإنفاق على التعليم أو الإيجار أو حتى المواصلات، فالفرد الذي يعيش في منزل مستأجر ويعيل أولاداً في الجامعات لا يمكن مساواته ضريبياً بآخر أقل التزامات، وبهذا المعنى، فإن النظام الجديد بحاجة إلى أدوات أكثر دقة لتحديد الدخل الصافي للأفراد، بحيث يتم اعتماد متوسط إنفاق معيشي يُخصم من الدخل قبل احتساب الضريبة، على أن يُفرض التكليف فقط على ما يتجاوز هذا المتوسط بالإضافة إلى الحد الأدنى المعفى.
فساد ممنهج
ومن القضايا التي تطرق لها النظام الجديد أيضا، إلغاء لجان تصنيف الضريبة المقطوعة التي كانت تعتمد على تقديرات غير موحدة، ليتم استبدالها بتكليف ضريبي تلقائي يستند إلى دخل المكلف، كما تم تضمين النظام أدوات رقابية جديدة، أبرزها التوسع في الفوترة الإلكترونية عبر رموز QR، سواء للمبيعات أو المشتريات، مما يعزز الشفافية ويُسهم في ضبط التهرب الضريبي، الذي اعتُبر لسنوات من أبرز تحديات النظام المالي.
ويرى حنانا أن هذا التحول الرقمي هو الوسيلة الفعالة لضبط التعاملات، لكنه في الوقت نفسه يتطلب موقف حازم تجاه المصاريف غير الموثقة التي ظلت تُبرر لسنوات بذريعة أنها “مستورة” أو “غير قابلة للتسجيل”، معتبراً أن هذا التراخي هو ما أفسح المجال أمام حالات فساد ممنهجة، مؤكدا أن التشدد في ضبط الفواتير ضرورة لتحقيق عدالة فعلية.
وفيما يتعلق بالنسب الضريبية، اعتبر حنانا أن توزيعها جاء مقبولاً من حيث الفلسفة الاقتصادية، خاصة إعفاء القطاع الزراعي الذي يعد من القطاعات المدعومة في كل دول العالم، وكذلك فرض نسبة أعلى على التجارة الإلكترونية التي غالبا ما تفتقر إلى أصول ملموسة أو تكاليف تشغيلية واضحة، غير أنه حذر من الجمود في هذه النسب، داعياً إلى اعتماد معايير مرنة تسمح بإعادة التقييم وفقا لطبيعة النشاط وحجمه، وذلك لتفادي التمييز غير العادل بين الأنشطة المختلفة.
تجارب
ولفت حنانا إلى ضرورة التفكير بمنهج مقارن مع الدول الأخرى، وإمكانية الاستفادة من تجارب عربية مجاورة، مثل النموذج العماني الذي يفرض نسبة 5% فقط على دخل الأفراد، في حين تعتمد الإمارات ضريبة بنسبة 9% على صافي أرباح الشركات، وهي نماذج توازن بين تحفيز النمو الاقتصادي وفرض التزامات عادلة.
وفي ختام حديثه أكد عضو جمعية المحللين الماليين وضاح حنانا أن الانتقال إلى ضريبة موحدة على الدخل هو المدخل الأهم للإصلاح الحقيقي، لأن الأنظمة الضريبية المعقدة والمتشعبة تزيد من فرص التهرب، وتفتح المجال للثغرات القانونية. أما النظام المبسط القائم على توحيد المعايير والاعتماد على الدخل الصافي، فهو أكثر قدرة على تحقيق العدالة والفعالية في التحصيل.
بالتالي مع هذه التعديلات، تبدو سوريا مقبلة على تحول جذري في فلسفة الجباية، من نظام قائم على التقدير والتجزئة، إلى نظام حديث مبني على الشفافية، الأتمتة، والعدالة الاجتماعية، ويبقى نجاح هذه الخطوة مرهون بقدرة وزارة المالية على إدماج المقترحات المجتمعية خلال فترة التشاور، وصياغة قانون مرن وعملي يعالج التشوهات المزمنة ويمنح ثقة حقيقية للمكلفين.


































































































